خطابات و تداخلات

02الخطاب الذي ألقاه القائد العام فيدل كاسترو روز في "الجمعية الوطنية الثانية للشعب الكوبي"، المنعقدة في ساحة الثورة، في 4 شباط/فبراير 1962

التاريخ: 

04/02/1962

02الخطاب الذي ألقاه القائد العام فيدل كاسترو روز في "الجمعية الوطنية الثانية للشعب الكوبي"، المنعقدة في ساحة الثورة، في 4 شباط/فبراير 1962

أيها الرفاق والرفيقات في "الجمعية العامة الوطنية للشعب":

تلتئم هذه الجمعية العامة، وبصفتها هيئة سيادية تعبّر عن إرادة الشعب الكوبي، هذا اليوم، وللمرة الثانية، من أجل إعطاء ردّها البليغ على المناورة، الدسيسة، المؤامرة، التي يحيكها أعداؤنا في بونتا ديل إيستي.

عيون العالم بأسره تتجه إلى شعبنا هذا اليوم؛ وشعوب القارات كلها تنتظر ردّ وطننا. والرسائل التي تمت قراءتها عصر هذا اليوم تثبت كم من الاهتمام، وكم من العناية، وكم من التضامن يبعثه احتفال هذا اليوم.

كان شعبنا يعرف تماماً بالتأكيد ما الذي يتوخّاه الإمبرياليون اليانكيّون؛ فشعوبنا شديدة الاطلاع على نواياهم؛ وشعبنا –الذي يخضع منذ ثلاث سنوات للمضايقة المتواصلة من قبل الإمبريالية اليانكية- كان على علم بأنهم قد توجهوا إلى بونتا ديل إيستي... كان على علم بأن ليس لهذا المؤتمر هدفاً آخر غير الترويج لاعتداءات جديدة ولمؤامرات جديدة ضد بلدنا. ولقد قامت الإمبريالية طبعاً بخطوات عدوانية جديدة. وكما شرح رئيسنا لدى تحدثه عصر هذا اليوم، لقد قرر الإمبرياليون فرض حظر آخر –واحد آخر- على علاقاتنا التجارية.

كانت قد تبقّت علاقة تجارية واحدة مع الولايات المتحدة، تشمل بشكل رئيسي التبغ والفاكهة، تصل قيمتها إلى عدة ملايين من الدولارات. عندما اقترح الوفد اليانكي في بونتا ديل إيستي فرض عقوبات اقتصادية وسياسية، وقطع باقي الحكومات –للبلدان التي ما تزال تقيم علاقات، التي لم تخضع بعد، التي قاومت ضغوط الإمبريالية- للتجارة وإنهاء علاقاتها الدبلوماسية معنا، لم تنجح الإمبريالية، التي تعيش أوج أزمتها، مع أنها استطاعت تحقيق جزء من أهدافها –ولا بد من بحث القرارات المتخذة هناك والنظر فيها والأهداف المتوخاة منها-، لم تنجح في تحقيق كل ما أرادته، بالرغم من نجاحها في استصدار بيانات إدانة لكوبا، جرّاء الضغوط الهائلة على كل وزراء الخارجية.

يبلغ مطلبهم من الوقاحة، من اللاعقلانية، وانعدام الحجة، ومن الدفع للأسف، ومن فضحه للحكومات الممثّلَة هناك، مبلغ أن بعض الحكومات قد رفض القبول بالحد الأقصى من المطالب اليانكية. وبفضل رفضها هذا، باعتبارها ليست مستعدة للقطيعة لمجرّد تلقّيها أمراً من واشنطن، وباعتبار أن هذه الحكومات، في نهاية المطاف، ستكون ملزمة بالامتثال لقرارات لا تعتبرها محقّة، أو انتهاك هذه القرارات، يبدو أن الإمبريالية قد أدركت بأن ليس من الحكمة السير بالوضع في هذا الاجتماع إلى درجة أن تفرض، عبر أغلبيتها التلقائية البالغة 14 دمية، قرار يُمكن أن تنكثه أقلية، ومع أنها أقلية، هي تمثّل 70 بالمائة من سكان أمريكا اللاتينية.

أقصد أن الإمبريالية لم تتمكن من فرض قراراً بقطع العلاقات التجارية. ما سعت إليه الإمبريالية –وبعد عودة وفدها- هو فرض هذا الحظر الجديد على تجارة الولايات المتحدة مع كوبا. لم تتمكن من التوصل إلى هذا القرار. وكدليل آخر على أن الإمبريالية لا تهمها في شيء "منظمة الدول الأمريكية"، وبأن "منظمة الدول الأمريكية" ليست أكثر وزارة مستعمرات يانكية، كُتلة عسكرية ضد شعوب أمريكا اللاتينية، أن أول ما فعلته بعد عودة وفدها من بونتا ديل إيستي هو اتخاذ هذا الإجراء الجديد ومنع شراء أي منتج من كوبا منعاً باتاً، أي شراء التبغ، شراء ثمارنا وتلك المنتجات التي كان حجمها يصل إلى مبالغ كبيرة.

طبعاً، وبما أن الإمبريالية لا تستطيع أن تكون إلا دنيئة، وبما أن السيد كنيدي لا يستطيع أن يكون إلا عديماً للخجل (هتافات وصفير) – وهو ما كان عليه منذ أن تولّى زمام منصبه، منذ أن رفض كل إمكانية للسير بسياسة سلميّة تجاه شعبنا، منذ أن نظّم غزوه المجرم والجبان لسواحلنا وكل الأعمال التي كلّفت أبناء شعبنا دماءً وأرواحاً، ما كان بوسعه إلا أن يرفق غدره الأخير بالنفاق. النفاق الذي لم يُسمع به أبداً من قبل هو الطابع الذي يرافق كل أفعال الإمبريالية.

ماذا فعل؟ حظر شراء أي منتج كوبي، أي حرماننا من أكثر من عشرين مليون دولار، وإلى جانب هذا الإجراء، الإعلان أنهم هم، "الطيبون"، "النبلاء"، "الإنسانيون إلى الأبد"، لن يمنعونا، بالمقابل، من أن نشتري منهم مواد غذائية وأدوية. أي أنهم في الوقت الذي يحجبون عنّا فيه الدولارات المتأتية من تجارتنا، القليل المتبقّي منها مع الولايات المتحدة، بعدما انتزعوا منّا حصتنا من المبيعات البالغ حجمها مئات الملايين من الدولارات، يقولون أنهم، بالمقابل، لن يمنعوا بيعنا. أي أنهم يقطعون عنّا الموارد اللازمة للشراء، يقطعون عنّا الموارد المخصصة تحديداً لشراء المواد الأولية، الآلات، المواد الغذائية، الأدوية، وبينما يتخذون من جهة هذا الإجراء المجرم والأحادي والمخجل –إجراء آخر ضد شعبنا -، يعلنون أنهم، بالمقابل، هم مستعدّون لبيعنا سلعاً ومواد غذائية.

وبما أنهم على هذه الدرجة من "الطيبة"، من المفيد أن نسألهم: لماذا لا يقرضونها أيضاً. ما داموا مستعدّين لبيع الأدوية والمواد الغذائية، لماذا لا يقرضونها؟ فهم يحرموننا من الدولارات اللازمة للشراء، ثم يقولون أنه، بالمقابل، يمنعوننا من البيع. لكن هذه هي السمة الدائمة للنفاق الذي يصاحب الإمبريالية، بهدف التسبب بعراقيل وصعوبات وفاقة وطوابير وأزمات من كل نوع لشعبنا، بغية إخضاع شعبنا من خلال التضحيات، من خلال فرض كل نوع من التضحيات، من الفخاخ، من الحيل، من كل أنواع الاعتداءات الغادرة والجبانة على وطننا.

طبعاً، ما كان لكوبا أن تشغل المكان الذي تشغله، ما كان لوطننا أن يشغل المكان الذي يشغله اليوم في وجدان باقي شعوب العالم، لو لم يكن خلف هذا الوطن، لو لم يكن خلف راية الوطن السيّدة، لو لم يكن خلف الثورة، الشعب، لو لم يكن خلف هذه الثورة هذا الشعب (تصفيق). وما كان لثورتنا أن تصل إلى ما هي عليه اليوم، ولما كانت كوبا تحمل راية حرية القارة الأمريكية، لو لم يكن خلف هذا الحدث التاريخي للثورة شعب أبي بهذه المكانة المشرّفة التي يشغلها في قلوب المائتا مليون شقيق من أمريكا اللاتينية (تصفيق)؛ لو لم يكن خلف الوطن السيّد، لو لم يكن خلف الوطن السيّد، لو لم يكن خلف الراية الحرّة، لو لم يكن خلف الثورة المحرِّرة شعب صامد وبطل كهذا الشعب، ما كان لا للوطن أن يكون حرّاً، ولا للراية أن تكون سيّدة، ولا لكانت الثورة قد سارت قدماً بالثبات الذي لا يُهزم الذي تسير به.

تستند كلمة كوبا إلى شعب برمّته؛ كلمة الوفد الكوبي، الموجّهة من هناك إلى الشعوب وإلى التاريخ، تستند إلى شعب بأكمله. ولهذا فإن لكلمتنا قيمتها، ولهذا لها قيمتها أمام عيون العالم، ولهذا لها قيمتها أمام التاريخ! فالذين تفوّهوا بالأكاذيب هناك ضد بلدنا، لم يفعلوا سوى تكرار شعارات أسيادهم الإجراميّة. وخلف الكلمات الفارغة التي أطلقها من يطعنون بالوطن الكوبي، لا يقف شعب واحد، إنما وراءها قتَلَة العمال والطلاب والفلاحين، يقف وراءها أكثرهم فساداً، أسوأ ما في البلدان الشقيقة. إلى متى سيظلّون على قلة حيائهم ووقاحتهم في الحديث عن الديمقراطية؟ إلى متى سيمضون باستخدام هذه الكلمة المسكينة، كلمة "الديمقراطية التمثيلية" البائسة، حتى استهلاكها؟ فهي لا تمثّل إلا إرادة الإمبريالية، لا تمثّل إلا الاستغلال، لا تمثّل إلا الخيانة؛ ديمقراطية هي ديمقراطية غياب الشعب. فجميع هذه الحكومات، الأربعة عشر التي صوتت ضدّ كوبا، تدّعي تمثيل الشعب، وهذه الأربعة عشر حكومة لا تحشد من الشعب ما تحشده الثورة الكوبية هنا (تصفيق).

إذا كانت تلك ديمقراطية، فما هو هذا؟ إذا كان ذلك حيث يوجد استغلال الإنسان، إذا كان ذلك حيث يتعرض البشر للتمييز بسبب العرق، وإذا كان ذلك حيث يتعرّض الفقراء للاستغلال وسوء المعاملة بشكل بائس اسمه ديمقراطية، فما هو اسم هذا إذن؟ إذا كانت الديمقراطية تعني الشعب، إذا كانت الديمقراطية تعني حكم الشعب، فما هو هذا إذن؟ إذا كانت الديمقراطية هي التعبير عن إرادة الشعب، فلا بد من قول الشيء الوحيد الذي يُمكن قوله: أن البلد، الشعب والنظام الأكثر ديمقراطية في القارة الأمريكية هو هذا النظام الذي يستطيع أن يحشد الشعب في ساحة هائلة كهذه (تصفيق)، يستطيع أن يجمع مئات ومئات ومئات الآلاف، يستطيع أن يجمع مليون، يستطيع أن يجمع .. من يدري كم، لأنه في كل مرة يزداد أكثر فأكثر عدد الذين يجتمعون، وأصبح الحشد يصل حتى أطراف "قصر الأمير" نفسها (تصفيق).

هو هذا الشعب، الذي يثبت بحضوره أباءه وموقفه، الذي يريد الإمبرياليون إخضاعه، هو الشعب الذي يريد الإمبرياليون شق صفّه وتفريقه، هو الشعب الذي يريد الإمبرياليون سحقه، لكي لا تسود أبداً بعد اليوم إرادة الشعب السيدة، لكي لا تجتمع أبداً بعد اليوم حشود كالحشود المجتمعة هنا، ولكي يتبدّد مصير الوطن وثروته، ومجرى تاريخه المحرّف بإرادة العصابات التي تجتمع في الظل، من وراء ظهر الشعوب؛ لكي لا تُشاهَد أبداً بعد اليوم حشوداً ضخمة في شوارع الوطن وفي ساحات الوطن، ترفع بفخر راياتها وتعلن للعالم شعاراتها الرائعة.

هو الشعب الذي يريد الإمبرياليون وضعه تحت جزمتهم، اضطهادنا، إهانتنا، تهشيم كرامتنا الوطنية، كما هشّموا كرامة الكثير من الشعوب الشقيقة في هذه القارة. هو هذا الشعب الثائر والبطل الذي يريدون سحقه. وهنا يكن خطأهم، هنا يكمن خطأهم الكبير، هنا يكمن سبب إخفاقهم، لأن الإمبريالية لن تسحق أبداً الثورة الكوبية (تصفيق)، الإمبريالية لن تهزم أبداً الثورة الكوبية (تصفيق).

لو كان بوسع أزلام الإمبريالية، لو كان بوسع خوليّو الإمبريالية وخدّامها والحثالة التي ترافقهم (تصفيق وصفير) أن تشاهد لدقيقة فقط ما تشاهده عيوننا وعيون الزائرين الذين يرافقوننا في هذا اليوم، ربّما، ربّما يتنبّهون، لو كانوا يستطيعون حتى ملاحظة جوانب خطأهم الجسيم وغير المعهود في تحقيق المستحيل الذي يريدون تحقيقه، لربما تنبّهوا إلى مدى ضعفهم وعجزهم؛ ربما كان ذلك لو أنهم تأمّلوا، حيث أنهم لم يفعلوا حتى الآن سوى الوقوع في الخطأ والإصرار على الخطأ؛ حتى الآن، لم يستطيعوا باعتداءاتهم إلا تعزيز قوة كوبا.

أمام هذه الاعتداءات، من واجب شعبنا أن يضاعف روح العمل عنده، من واجبه أن يضاعف صلابة وعيه الثوري.

ما العمل أمام من يريدون إخضاع الوطن، بقوة الحرمان، بقوة الاعتداءات، وبقوة الحصارات؟ ما الذي يتعيّن فعله؟ إنما هو، ببساطة، لا بدّ من العمل، لا بدّ من إيلاء مزيد من الاهتمام بكل شيء، لا بد من مضاعفة العناية والاهتمام بالإنتاج ثلاث مرّات، في المصانع، في التعاونيات، وفي المزارع، وفي الحقول، في كل مكان (تصفيق). مضاعفة الجهود ثلاث مرات من أجل استخراج أقصى ما يُمكن استخراجه من ثروتنا بما نملك، لاستخراج كل ما نحتاجه، لكي نأخذ بمقاومة الحصار خلال هذه الأشهر، وربما السنوات الطويلة من الكفاح والتضحيات التي تفرضها علينا الإمبريالية؛ واستخدام كل ما لدينا من موارد من أجل الإنتاج، من أجل المقاومة، وفي الوقت نفسه، توزيع ما لدينا بصورة أفضل، توزيع ما ننتج بشكل أفضل.

ولهذا فإنه واجب ستقوم به الحكومة الثورية ببحث كل الإجراءات اللازمة لكي يستطيع شعبنا تقاسم ما لديه بشكل جيد، لكي يصل ما نملكه في ظل الحصار إلى الجميع، لكي نتقاسم جميعنا ما لدينا بدون أي نوع من الأنانيّة (تصفيق).

ليس مهماّ ألاّ تصل سيارات خلال سنوات طويلة؛ وليس مهماً ألا تصل أشياء فاخرة كثيرة إلى كوبا على مدى سنوات طويلة. لا يهمّ ذلك، إن كان هو ثمن الحريّة؛ لا يهمّ ذلك، إن كان هو ثمن الكرامة؛ ليس مهماً، إن كان هو الثمن التي يطلبه الوطن منّا! (تصفيق).

في نهاية المطاف، لم ينعم الشعب أبداً ببذخ؛ في نهاية المطاف، لم ينعم الشعب أبداً بغير الاستغلال والإذلال والتمييز والإذعان والبطالة والجوع؛ في نهاية المطاف، مظاهر البذخ كانت حكراً على الأقليّات، أما الشعب فكان عليه بذل التضحيات.

وماذا تحقق الإمبريالية، ماذا ستحقق الإمبريالية بحرمان الشعب نفسه على مدار عدة سنوات من تلك الأمور التي طالما كان محروماً منها؟ لكن الشعب، الذي ينعم اليوم بما لم ينعم به أبداً، الذي ينعم بمساواة، ينعم بكرامة، ينعم بعدالة، وهو سيّد وطنه، وهو سيّد المصانع وثرواته، وهو سيّد مصيره، وهو حرّ؛ الشعب، الشعب الحقيقي، الشعب الذي عانى دائماً، هذا الشعب يستبدل بطيبة خاطر ما كان محروماً منه دائماً بما سيحظى به غداً، بكل ما سينعم به إلى الأبد (تصفيق).

سنقاوم في جميع المجالات: سنقاوم في مجال الاقتصاد؛ وسنواصل تقدّمنا في مجال الثقافة. هناك، خلف هذا الحشد العظيم، يبان حشد آخر، لون لباسه مختلف، لون متناسق: إنهم الخمسين ألف طالب الداخليين الذين يتلقون علومهم (تصفيق)، يتلقون علومهم في عاصمتنا، وهم الغد الواعد للوطن، إنهم مهندسي المستقبل في مصانعنا المستقبلية، الفنيين، الذين سيرفعون إنتاجية عمل شعبنا إلى أرفع المستويات، هم المستقبل، هم الوعد، هم عالم الغد الذي يقوم الوطن بصنعه لنفسه، لأن الوطن لا يعمل ليومه، الوطن يعمل للغد. وهذا الغد المليء بالوعود لن يستطيع أحد انتزاعه منّا، لن يستطيع أحد منعنا من تحقيقه، لأنه بثبات وصمود شعبنا سوف نحققه، ببسالة وبطولة شعبنا سوف نحققه.

وسوف نواصل تعزيز قدرتنا، ليس فقط في مجال الاقتصاد ومجال الثقافة، وإنما سنواصل المقاومة حيثما يؤلم الإمبرياليين أكثر بعد؛ سوف نواصل تعزيز قدرات قواتنا القتالية، وحداتنا المسلحة الثوريّة (تصفيق)؛ سوف نواصل رفع القدرة الدفاعية عند وطننا، سنواصل زيادة صلابتنا أكثر يوماً بعد يوم، لنكون على جاهزية أكبر يوماً بعد يوم، حتى إذا تجرّا الإمبرياليون، الصمّ والعميان، مرة أخرى، يتلقون علقة أكبر من التي تلقوها في شاطئ خيرون (خليج الخنازير)! (تصفيق مطوّل)، فليأت مرتزقتهم، ولتأت دماهم، أو فليأتوا هم. فهل هناك من أحد يخاف الإمبريالية هنا؟ (أصوات مرتفعة بـ "لا!")؛ من يخاف الإمبريالية؟ (أصوات مرتفعة بـ "لا أحد!"). وعندما نفكر بتهديدات الإمبرياليين ومناوراتهم، ماذا نفعل؟ (أصوات مرتفعة بـ "نضحك!") نضحك من الإمبرياليين! نضحك من يأسهم، لأنه، ببساطة، نأسف، ولكننا لا نخافهم؛ نأسف جداً، ولكن لا يخيفنا قتلة الإمبريالية هؤلاء، لا يخيفنا مجرمو الإمبريالية هؤلاء، لأننا نعلم –وإذا لم يكونوا هم يعلمون، فليعلموا- بأنه إذا ما غزوا بلدنا، ما دام هناك بندقية واحدة، ما دام هناك رجل واحد أو امرأة واحدة، سنكون في قتال معهم! (تصفيق مطوّل وأصوات مرتفعة بـِ "سننتصر!").

بالإضافة لذلك، نحن لن نكون بمفردنا. فسوف يكون إلى جانبنا أشقاؤنا في أمريكا اللاتينية (تصفيق)، الشعوب التي اشتبكت بكل بسالة، بكل شجاعة، في شوارع الكثير من البلدان المضطهَدة، ودعمت الثورة، بكل كرامة وبالجموع أثناء انعقاد قمة بونتا ديل إيستي؛ الشعوب التي أرسلت أفضل ممثليها إلى كوبا وإلى بونتا ديل إيستي نفسها لكي يرفعوا هناك، ليس صوت الأوليغارشيات وإنما صوت الشعوب. وسوف يكون إلى جانبنا تضامن كل الشعوب المحررة في العالم، وسوف يكون إلى جانبنا تضامن كل الرجال والنساء الشرفاء في العالم (تصفيق).

وعليه فإننا، بخطى ثابتة وبدون أي نوع من التردد، نحن مستعدّون للمقاومة! كان ما كان! (تصفيق) مستعدّون لمواجهة كل ما يأتي! (تصفيق)، من دون أي نوع من القلق. لكن، فليستعد الإمبرياليون أيضاً ليتلقّوا، في هذه الحالة، ما سيكون بانتظارهم! (تصفيق)

ومن المفيد أن يأخذ الإمبرياليون بتقبل فكرة أن هذا الشيء المريع، هذا الشيء الذي يخشونه كل ما يخشونه، هذا الشيء الذي يبعث عندهم الأرق، وهو ثورة الشعوب المستغَلّة من قبل الإمبريالية، هذا الشيء، سياتي أيضاً بلا مفرّ، لأنها قاعدة التاريخ! (تصفيق)

لننتقل إلى الأهم في عصر هذا اليوم، وهو "بيان هافانا الثاني" (تصفيق)، رسالتنا إلى شعوب القارة الأمريكية والعالم، كلمة شعبنا في هذه اللحظة التاريخية، والمدعومة من هذا الشعب، المدعومة بحضوره، على نحو لم يسبق فيه أبداً أن كانت مدعومة في القارة الأمريكية أي كلمة، وأي رسالة.

يتواجد معنا العديد من الأمريكيين اللاتينيين الذين يزورون بلدننا أو هم شاركوا في "مؤتمر الشعوب" المنعقد في هافانا (تصفيق)، لكنهم لا ينبغي أن يكونوا مجرّد مشاهدين. نقترح على "الجمعية العامة الوطنية للشعب" الا يكون الأمريكيون اللاتينيون مجرد مشاهدين، وإنما أن يكون لهم الحق أيضاً بالتصويت إلى جانب شعب كوبا على "بيان هافانا" (تصفيق مطوَّل هتافات: "فيدل!، فيدل!").

يوماً ما سيكون بوسعهم هم أيضاً أن يجمعوا شعوبهم، كما نفعل نحن اليوم، ويستطيعون التعبير كذلك عن فكرهم بقدر من الحرية كما نفعل نحن اليوم.

فلينتبه الشعب لكل كلمة، كل عبارة واردة في هذه الوثيقة، "البيان الثاني"، التي نقترحها باسم المنظمات الثورية الموحدة والحكومة الثورية، على شعب كوبا:

من شعب كوبا إلى شعوب القارة الأمريكية والعالم

عشية مصرعه في الثامن عشر من أيار/مايو 1895، في رسالة لم تكتمل لأن عياراً إسبانياً اخترق قلبه، كتب بطل استقلالنا (تصفيق)، خوسيه مارتيه، إلى صديقه مانويل ميركادو: "أصبح بإمكاني أن أكتب... فأنا معرّض في كل يوم لوهب حياتي لبلدي، ووفاءً لواجبي... في منع الولايات المتحدة قبل فوات الأوان من التمدد، عبر استقلال كوبا، في كل جزر الأنتيل، وأن تجثم، بهذه القوة الإضافية، فوق أراضي أمريكانا. كل ما فعلتُه حتى يومنا هذا، وكل ما سأفعله، إنما هو من أجل ذلك... ذات الواجبات الصغيرة والعامة على عاتق الشعوب، الأشد اهتماماً ونشاطاً في الحؤول دون جعل كوبا، بعدما يتم إلحاقها بالإمبرياليين، بداية الطريق الذي لا بد من إغلاقه، ونقوم نحن بإغلاقه بدمائنا، وهو طريق إلحاق شعوب قارتنا الأمريكية بالشمال المضطرب والهمجي الذي يحتقرها، والذي ربّما منعها من الالتحام الجلي بهذه التضحية التي تجري من أجل صالحها المباشر والخيّر لها والإسهام الملموس فيها. لقد عشتُ في قلب الوحش وأعرف أحشاءه؛ ومقلاعي هو مقلاع داوود".

منذ عام 1895، نوّه مارتيه إلى الخطر الذي كان يحيق بالقارة الأمريكية وسمّى الإمبريالية باسمها: إمبريالية. ونبّه شعوب القارة إلى أنها معنيّة أكثر من أي أحد آخر في عدم غرق كوبا في الطمع اليانكي، الذي يزدري الشعوب الأمريكية اللاتينية. وبدمه هو، الذي سال من أجل كوبا وأمريكا اللاتينية، خطّ الكلمات المهيبة، التي يصادق عليها شعب كوبا اليوم، تكريماً لذكراه، في أعلى هذا البيان.

انقضت سبع وستون سنة. بورتوريكو تم تحويلها إلى مستعمرة وما تزال مستعمرة تطفح بالقواعد العسكرية. كوبا وقعت في مخالب الإمبريالية. فقد احتلّت قواتها أراضينا. تم فرض "تعديل بلات" على أول دستور لبلدنا، كبند مذلّ يكرّس الحق الضغين بالتدخل الأجنبي. انتقلت ثرواتنا إلى أيديهم، وجرى تزوير تاريخنا، وتكييف إدارتنا وسياستنا كاملة مع مصالح الدّخلاء؛ وخضعت البلاد لستين سنة من الخنق السياسي والاقتصادي والثقافي.

لكن كوبا نهضت، تمكّنت كوبا من التعافي من الوصاية القبيحة. كوبا كسرت الأغلال التي كانت تربط مصيرها بالإمبراطورية المضطهِدة، وخلّصت ثرواتها، واستعادت ثقافتها، ورفعت راية سيادة أرض وشعب حر في القارة الأمريكية (تصفيق).

لم يعد بوسع الولايات المتحدة أن تجثم أبداً فوق القارّة الأمريكية بقوّة كوبا، بينما، خلافاً لذلك، ومن خلال هيمنتها على معظم دول أمريكا اللاتينية، تسعى الولايات المتحدة للجثوم على كوبا بقوة القارة الأمريكية.

ما هو تاريخ كوبا إن لم يكن تاريخ أمريكا اللاتينية؟ وما هو تاريخ أمريكا اللاتينية إن لم يكن تاريخ آسيا وأفريقيا وأوقيانوسيا؟ وما هو تاريخ كل هذه الشعوب إن لم يكن تاريخ أشد وأقسى أنواع استغلال الإمبريالية في العالم كلّه؟

في نهايات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي، كانت حفنة من البلدان المتقدمة اقتصاديّاً قد انتهت من تقاسم العالم، بإخضاع ثلثا البشرية لهيمنتها الاقتصادية والسياسية، والتي، على هذا النحو، وجدت نفسها مضطرة للعمل في خدمة الطبقات المهيمنة لمجموعة البلدان ذات الاقتصاد الرأسمالي المتقدم.

الظروف التاريخية التي سمحت لبعض البلدان الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية بتحقيق مستوى رفيع من التطور الصناعي جعلتها في موقع يسمح لها بإخضاع بقية العالم لهيمنتها واستغلالها.

ما هي العوامل التي دفعت إلى تمدّد القوى الصناعية هذا؟ هل كانت أسباب من النوع الأخلاقي، "الناشر للحضارة"، كما كانت تدعي؟ لا: إنما هي أسباب من النوع الاقتصادي.

منذ اكتشاف القارة الأمريكية، الذي قام به الفاتحون الأوروبيون عبر البحار من أجل احتلال واستغلال أراضي وسكان قارّات أخرى، كان الشغف بالثروة دافعاً أساسيّاً لسلوكهم. اكتشاف القارة الأمريكية بحد ذاته جاء في بحثٍ عن طرق جديدة أقصر مسافة تؤدي إلى الشرق، الذي كان يكلّف أوروبا غالياً الحصول على بضائعها.

طبقة اجتماعية جديدة، قوامها التجار ومنتجو السلع الصناعية التحويلية للتجارة، نشأت في قلب المجتمع الإقطاعي للأسياد والعبيد في نهايات العصور الوسطى.

التعطش للذهب كان النابض الذي حرّك جهود هذه الطبقة الجديدة. الاندفاع لتحقيق الأرباح كان الحافز لسلوكها عبر تاريخها. مع تطور الصناعة التحويلية والتجارة أخذ تأثيرها الاجتماعي بالنمو. قوى الإنتاج الجديدة التي تطورت في قلب المجتمع الاقطاعي أخذت تصطدم أكثر فأكثر مع علاقات الاستعباد التي تتسم بها الإقطاعية وقوانينها ومؤسساتها وفلسفتها وخلقها وفنها وفكرها السياسي.

أفكار فلسفية وسياسية جديدة، ومفاهيم جديدة للقانون والدولة بدأت تظهر على ألسنة ممثلين فكريّين للطبقة البرجوازية، الذين، وبالنظر إلى استجابتها للاحتياجات الجديدة للحياة الاجتماعية، أخذت تتموضع شيئاً فشيئاً في وعي الجماهير المستغَلَّة. كانت آنذاك أفكاراً ثورية في وجه الأفكار البالية للمجتمع الإقطاعي. الفلاحون والحرفيّون وعمال الصناعة التحويلية، وعلى رأسهم البرجوازية، قضوا على النظام الإقطاعي وفلسفته وأفكاره ومؤسساته وقوانينه وامتيازات الطبقة المهيمنة، أي طبقة النبلاء بالتوارث.

آنذاك كانت البرجوازية ترى بأن الثورة محقّة وضرورية. لم تكن تظن أن باستطاعة النظام الإقطاعي أو من واجبه البقاء إلى الأبد، كما هي تعتقد اليوم بشأن نظامها الاجتماعي الرأسمالي. كانت تشجع الفلاحين على التحرر من الاستعباد الإقطاعي، كانت تحضّ الحرفيّين ضد العلاقات النقابية، وتطالب بحقها في السلطة السياسية. الملوك المطلقون وطبقة النبلاء والإكليروس كانوا يدافعون بشدّة عن امتيازاتهم الطبقية، شاهرين الحق الإلهي الذي يحضر البلاط وعدم جواز المسّ بالنظام الاجتماعي. أن تكون ليبرالياً وتشهر أفكار فولتيير وديدرو وجان جاك روسّو، أصوات الفلسفة البرجوازية، كان يشكّل آنذاك بالنسبة للطبقات المهيمنة جريمة تبلغ من الخطورة ما يبلغه اليوم بالنسبة للبرجوازية أن تكون اشتراكيّاً وتشهر أفكار ماركس وإنجلز ولينين (تصفيق).

عندما تمكّنت البرجوازية من السلطة السياسية وأقامت فوق أنقاض المجتمع الإقطاعي شكل إنتاجها الرأسمالي، وأقامت على أساسه دولتها وقوانينها وأفكارها ومؤسساتها.

كانت هذه المؤسسات تكرّس في المقام الأول جوهر هيمنتها الطبقية، وهو الملكية الخاصّة. والمجتمع الجديد، القائم على أساس الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والمنافسة الحرّة، بات منقسماً إلى طبقتين رئيسيتين: واحدة تملك وسائل الإنتاج، الأكثر حداثة وكفاءة يوماً بعد يوم؛ والأخرى، محرومة من أي ثروة، ولا تملك إلا قوة عملها، والمجبرة على بيع هذه القوة في السوق كأي سلعة أخرى لكي تتمكن من البقاء.

بعد كسر القيود الإقطاعية، تطورت قوى الإنتاج على نحو ما فوق العادي. نشأت مصانع كبرى حيث تراكم عدد متزايد يوماً بعد يوم من العمّال.

أخذت أحدث المصانع وأكثرها كفاءة فنيّة تحل في السوق محل المنافسين الأقل كفاءة. كلفة المعدّات الصناعية كانت تزداد يوماً بعد يوم؛ فكان ضروريّاً مراكمة مبالغ أكبر من الرأسمال يوماً بعد يوم. جزء كبير من الإنتاج أخذ يتركز في عدد أقل من الأيادي. وهكذا نشأت الشركات الرأسمالية الكبرى، ثم لاحقاً مجموعات الشركات الكبرى من خلال كارتيلات ونقابات ومجموعات شركات، وفقاً لمستوى وطابع كل مجموعة، يسيطر عليها أصحاب معظم الأسهم، أي أقوى أرباب العمل في الصناعة. حرية المشاركة، وهي من مزايا الرأسمالية في مرحلتها الأولى، أتاحت المجال أمام نشوء الاحتكارات التي كانت تُبرم اتفاقات فيما بينها وتسيطر على الأسواق.

ما هو مصدر المبالغ المالية العملاقة التي سمحت لحفنة من الاحتكاريين بمراكمة مليارات الدولارات؟ ببساطة، مصدرها استغلال عمل الإنسان. ملايين الرجال، المجبرين على العمل مقابل أجر يسمح لهم بالبقاء لا أكثر، أنتجوا بجهدهم رؤوس أموال الاحتكارات الهائلة. العمّال راكموا الثروات للطبقات المتميّزة، الأكثر ثراءً يوماً بعد يوم، وأشد سيطرة يوماً بعد يوم. من خلال المؤسسات المصرفية وصل بهم الأمر لأن يحظوا ليس فقط بما لديهم من مال، وإنما بمال المجتمع كلّه أيضاً. هكذا حدث انصهار البنوك مع الصناعة الكبرى ونشأ الرأسمال النقدي. ماذا سيحل إذن بالفائض الكبير من الرأسمال الذي أخذ يتراكم بكميات أكبر يوماً بعد يوم؟ استخدامه في فتح العالم. وكل ذلك سعياً لجني الأرباح، فشرعوا بالاستيلاء على الثروات الطبيعية لدى جميع البلدان الضعيفة اقتصاديّاً واستغلال العمل الإنساني لمواطني هذه البلدان بأجور أشد بؤساً بكثير من تلك التي كانوا ملزمين بدفعها لعمال البلد المستعمِر ذاته. وهكذا بدأ تقاسم العالم سياسيّاً واقتصاديّاً. في عام 1914، كانت ثمانية أو عشرة بلدان إمبريالية قد أخضعت لهيمنها الاقتصادية والسياسية، خارج حدودها، مناطق تصل مساحتها إلى 83 مليوناً و700 ألف كلم مربّع، يبلغ عدد سكّانها 970 مليون نسمة. بكل بساطة، كانوا قد تقاسموا العالم.

لكن، وبما أن العالم محدود المساحة، وأصبح متقاسَم حتى آخر ركن من الكرة الأرضية، جاء الصدام بين مختلف البلدان الاحتكارية ونشأ التناحر من أجل أشكال حديدة من التقاسم، مصدره التوزيع اللامتناسب للسلطة الصناعة والاقتصادية التي كانت قد حققتها البلدان الاحتكارية المختلفة، والمتطورة على نحو غير متساوٍ. انفجرت الحربان الإمبرياليّتان، اللتان كلّفتا البشرية خمسين مليون قتيلاً وعشرات الملايين من المعوّقين ودمار ما لا يُحصى من الموارد الماديّة والثقافية. لم يكن هذا قد حدث بعد عندما كتب ماركس بأن "رأس المال يولد وهو ينزف دماً وقذارة، من جميع مسامه، من رأسه وحتى أخمص قدميه" (تصفيق).

نظام الإنتاج الرأسمالي، وبعدما قدّم كل ما هو قادر على تقديمه، تحوّل إلى عقبة بعيدة الغور أمام تقدّم البشرية. لكن البرجوازية، منذ نشوئها، كانت تحمل نقيضها في داخلها. فقد تطورت في داخلها أدوات إنتاجية هائلة، ولكن في الوقت نفسه تطورت قوة اجتماعية جديدة وحيوية، وهي البروليتارية (تصفيق)، المدعوّة لتغيير النظام الاجتماعي المهترئ والبالي للرأسمالية بشكل اقتصادي-اجتماعي أرقى وينسجم مع الإمكانيات التاريخية للمجتمع البشري، يحوّل كل وسائل الإنتاج العظيمة هذه، والتي كانت الشعوب، ولا أحد غير الشعوب، قد كوّنتها وراكمتها بعملها، إلى ملكية لكل المجتمع. في مستوى كهذا من تطور قوى الإنتاج، أخذ يبدو بالياً وخارجاً عن الزمن نظام ينادي بالملكية الخاصّة وتبعيّة اقتصاد ملايين وملايين من البشر لإملاءات أقلية اجتماعية ضيّقة.

مصالح البشرية كانت تتطلّب وضع حد لحالة الفوضى في الإنتاج والهدر والأزمات الاقتصادية وحروب النهب الملازمة للنظام الرأسمالي. الاحتياجات المتزايدة عند الجنس البشري وإمكانية تلبيتها كانت تستلزم تنمية اقتصادية موضع تخطيط واستخداماً عقلانياً لوسائل الإنتاج والموارد الطبيعية.

كان محتّماً دخول الإمبريالية والاستعمار في أزمة عميقة لا خلاص منها. بدأت الأزمة العامة على أثر الحرب العالمية الأولى، مع ثورة العمال والفلاحين التي أطاحت بالإمبراطوريّة القيصريّة في روسيا (تصفيق) وأقامت أول دولة اشتراكية في العالم، في ظروف بالغة الصعوبة من الحصار والعدوان الرأسمالي، ليبدأ بذلك عصر جديد في تاريخ البشريّة (تصفيق). ومنذ ذلك الحين وحتى أيامنا هذه، ازدادت الأزمة وتفكّك النظام الإمبريالي حدّة وعلى نحو متواصل.

الحرب العالمية الثانية التي شنّتها القوى العظمى الإمبريالية جارّةً إليها الاتحاد السوفييتي وشعوباً أخرى من أوروبا وآسيا، التي تعرضت لغزوات إجرامية ولصراع تحرري دموي، انتهت بهزيمة الفاشية وتكوّن معسكر اشتراكي عالمي وكفاح الشعوب الخاضعة للاستعمار والتابعة من أجل سيادتها. بين عامي 1945 و1957، حقّق أكثر من ألف و200 إنسان استقلالهم في آسيا وفي أفريقيا. الدماء التي قدمتها الشعوب لم تذهب هدراً (تصفيق).

حركة الشعوب التابعة والخاضعة للاستعمار هي ظاهرة ذات طابع كونّي تهزّ العالم وتشير إلى الأزمة النهائية للإمبريالية.

كوبا وأمريكا اللاتينية تشكلان جزءاً من العالم. ومشكلاتنا هي جزء من المشكلات الناجمة عن الأزمة العامة للإمبريالية وكفاح الشعوب المستعمَرة؛ والصدام بين العالم الجديد الذي ينشأ والعالم الذي يرحل. الحملة الحاقدة والهمجية التي تُشنّ على وطننا تعبّر عن الجهد اليائس وغير المجدي الذي يبذله الإمبرياليون من أجل منع تحرر الشعوب. كوبا تؤلم الإمبرياليين بشكل خاص. ماذا يختبئ وراء الحقد اليانكي على الثورة الكوبية؟ ما الذي يفسّر المؤامرة لذات الهدف العدواني بين القوة العظمى الإمبريالية الأكثر ثراءً وجبروتاً في العالم المعاصر والأقليات الحاكمة في القارة جمعاء، الذين يفترض بأنهم يمثّلون كتلة بشرية حجمها 350 مليون نسمة ضد شعب صغير تعداده سبعة ملايين نسمة، متخلّف اقتصاديّاً، وبدون موارد مالية ولا عسكرية يهدد بها أمن أو اقتصاد أي بلد كان؟ يوحّدهم ويدفعهم الخوف. الخوف هو ما يفسّر ذلك. ليس الخوف من الثورة الكوبية، الخوف من الثورة الأمريكية اللاتينية (تصفيق). ليس الخوف من العمال والفلاحين والطلاب والمثقفين والقطاعات التقدمية من الشرائح المتوسطة الذين استولوا ثوريّاً على السلطة في كوبا، إنما الخوف من استيلاء العمال والفلاحين والطلاب والمثقفين والقطاعات التقدمية من الشرائح المتوسطة على السلطة ثوريّاً في البلدان المُضطهَدة والجائعة والمستغلَّة من قبل الاحتكارات اليانكية والأقلية الحاكمة الرجعية في القارة الأمريكية (تصفيق)، الخوف من أن تنتزع الشعوب المنهوبة في القارة السلاح من أيدي مضطهديها وتعلن نفسها، كما كوبا، شعوباً حرّة في القارة الأمريكية (تصفيق).

يظنون أنه بسحق الثورة الكوبية ينقشع الخوف الذي يؤرقهم، شبح الثورة الذي يهدّدهم. يظنون أنه بالقضاء على الثورة الكوبية، يقضون على الروح الثورية عند الشعوب. إنهم يدّعون، في خضم هذيانهم، بأن كوبا تصدّر الثورات. في عقولهم كتجّار ومرابين أرقين يظنّون أن الثورات يمكن شراؤها أو بيعها أو تأجيرها أو إعارتها أو تصديرها أو استيرادها كأي سلعة. جهلاً منهم للقوانين الموضوعية التي تحكم تطور المجتمعات البشريّة، يظنّون أن أنظمتهم الاحتكاريّة، الرأسمالية وشبه الإقطاعية أزلية. أما وقد تربّوا على إديولوجيّتهم الرجعية نفسها، وهي مزيج من التعلّق بالماضي والجهل والذّاتانية والبراغماتية وغيرها من ضلالات الفكر، لديهم صورة عن العالم وعن مسيرة التاريخ مكيَّفَة على مصالحهم الطبقية الاستغلاليّة. يفترضون أن الثورات تولد أو تموت في عقل أفراد وبفعل قوانين سماويّة، وبالإضافة لذلك، أن الله معهم. طالما ظنّوا الشيء نفسه، منذ عصر الأشراف الوثنيون المخلصين لأسيادهم في روما العبوديّة، الذين كانوا يلقون بأوائل المؤمنين بالمسيحية ويجعلونهم مأكلاً لأسود السيرك، وفاتحي العصور الوسطى الذين، وبصفتهم حماة للإقطاعية والملكية المطلقة، كانوا يحرقون أوائل المنادين بالفكر الليبرالي للبرجوازية الناشئة، وحتى أساقفة اليوم الذين، ودفاعاً عن النظام البرجوازي والاحتكاري، يحرّمون الثورات البروليتاريّة. كل الطبقات الرجعية في جميع العصور التاريخية، وعندما يصل التناقض بين المستغِلّين والمُستغَلّين إلى ذروته، كنذير لنشوء نظام اجتماعي جديد، لجأت إلى أسوأ أسلحة القمع لخصومها والافتراء عليهم. فبتهمة إحراق روما وتقديم الأطفال قرباناً على مذابحهم، تم اقتياد أوائل المؤمنين بالمسيح إلى الشهادة. وبتهمة البدعة، قاد قضاة التفتيش فلاسفة مثل جوردانو برونو، وإصلاحيّين مثل هوس وآلاف غيرهم من مناهضي النظام الإقطاعي إلى المحرقة. عن المناضلين البروليتاريّين يجري اليوم الإرشاد بالملاحقة والجريمة، تسبقهما أسوأ الافتراءات في الصحافة الاحتكاريّة والبرجوازية. طالما، وفي كل عصر تاريخي، قامت الطبقات المهيمنة بالقتل بدعوى الدفاع عن المجتمع والنظام والوطن: "مجتمعها" ذو الامتيازات فوق الأغلبيات المستغَلَّة؛ "نظامها الطبقي"، الذي تحافظ عليه مسلطاً على الفقراء بقوة الحديد والنار؛ "الوطن" الذي يستمتعون به هم وحدهم، بحجب هذه المتعة عن بقية أبناء الشعب، لقمع الثوار الذين يتطلّعون لمجتمع جديد ونظام عادل ووطن حقيقي للجميع.

لكن عجلة التاريخ، المسيرة الصاعدة للبشرية، لا تتوقّف ولا يُمكنها أن تتوقّف. القوى التي تدفع بالشعوب –وهي الصانعة الحقيقية للتاريخ- تحددها الشروط الموضوعية لوجودها، والتطلع إلى أهداف أكبر في الرفاه والحرية، والتي تنشأ عندما يجعل تطور الإنسان في مجال العلوم والتقنية والثقافة من ذلك أمراً ممكناً، تكون أقوى من الإرادة والهول اللذين تفرضهما الأقليات المهيمنة.

الظروف الذاتية لكل بلد – أي عامل الوعي والتنظيم والقيادة- يُمكنها أن تعجّل بالثورة أو تؤخّرها، اعتماداً على درجة نموّه إن كانت كبيرة أو صغيرة؛ لكن عاجلاً أم آجلاً، في كل مرحلة تاريخية، عندما تنضج الشروط الموضوعيّة، يُكتسَب الوعي ويتحقق التنظيم وتنشأ القيادة وتحدث الثورة (تصفيق).

أن تحدث هذه الثورة لمجريات محددة أو تخرج إلى العالم بعد مخاض عسير، فهذا لا يعتمد على الثوار؛ يعتمد على القوى الرجعية العائدة إلى المجتمع القديم، التي ترفض السماح بولادة المجتمع الجديد الناجم عن التناقضات الكامنة في المجتمع القديم نفسه. قصة الثورة هي كالطبيب الذي يساعد في ولادة حياة جديدة. لا يستخدم أجهزة قوة إذا لم يكن بحاجة إليها، ولكنه يستخدمها بلا تردُّد كلّما رأى بأن ذلك ضروريّاً للمساعدة في عملية التوليد (تصفيق)، الولادة التي تجلب للجماهير المستعبدة والمستغلَّة الأمل بحياة أفضل.

في بلدان كثيرة من أمريكا اللاتينية، الثورة اليوم هي حتميّة. وهذا الأمر لا تحدده إرادة أحد، وإنما تحدده ظروف الاستغلال المريعة التي يعيشها ابن القارّة، وتطور الوعي الثوري عند الجماهير، والأزمة العالمية التي تعيشها الإمبريالية والحركة العالمية لنضال الشعوب المُستعمَرة.

حالة القلق التي نشهدها اليوم هي علامة لا لُبس فيها. فإنها في حالة اضطراب أحشاء قارّة عاشت أربعة قرون من الاستغلال العُبودي وشبه العبودي والإقطاعي للإنسان، بدءاً من سكانها الأصليين والعبيد الذين تم جلبهم من أفريقيا، وحتى النواة القومية التي نشأت لاحقاً، من البيض والزنوج والخلاسيّين والمولّدين والهنود الحمر، الذين يوحّدهم الازدراء والإذلال والاستعمار اليانكي اليوم في عروّة وثقى، كما يوحّدهم الأمل بغدٍ أفضل.

لقد تحررت شعوب القارّة من الاستعمار الإسباني في بدايات القرن الماضي، لكنها لم تتحرر من الاستغلال. ملاّكو الأراضي الإقطاعيّون تولّوا سلطة الحكام الإسبان، وظل الهنود الحمر يعيشون وضعاً صعباً من العبودية؛ وظل الإنسان الأمريكي اللاتيني عبداً بطريقة أو بأخرى، وضاعت الآمال القليلة عند الشعوب في ظل سلطة الأوليغارشيات وتحت حذاء الرأسمال الأجنبي. هذا ما هي عليه حقيقة أمريكا اللاتينية، بسمة أو بأخرى، وبمسار أو بآخر. أمريكا اللاتينية تخضع اليوم لإمبريالية أشد وحشية وجبروتاً وقسوة بكثير من الإمبراطورية الاستعمارية الإسبانية.

وأمام الواقع الموضوعي والحتمي تاريخيّاً للثورة الأمريكية اللاتينية، ما هو موقف الإمبريالية اليانكية؟ الاستعداد لخوض حرب استعماريّة مع شعوب أمريكا اللاتينية؛ تكوين جهاز قوة، الذرائع السياسية والأدوات القانونية اللاشرعية الموقعة مع ممثلي الأوليغارشيات الرجعية لقمع كفاح الشعوب الأمريكية اللاتينية بقوة الحديد والنار.

تدخّل حكومة الولايات المتحدة في السياسة الداخليّة لبلدان أمريكا اللاتينية أخذ بالظهور أكثر علانية وجموحاً.

"هيئة الدفاع عبر الأمريكية"، على سبيل المثال، كانت وما تزال العش الذي يحتضن أكثر ضباط الجيوش الأمريكية اللاتينية رجعية وولاءً لليانكيين، والذين يتم استخدامهم لاحقاً كأدوات انقلابية بخدمة الاحتكارات.

البعثات العسكرية في أمريكا اللاتينية تشكل جهازاً للتجسس الدائم في كل بلد، مرتبطة بشكل وثيق بوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، تزرع في نفوس الضباط أشد المشاعر رجعية وتسعى لتحويل الجيوش إلى أدوات لمصالحها السياسية والاقتصادية.

حاليّاً، في منطقة قناة بنما، تنظّم القيادة العسكرية العليا الأمريكية دورات تدريبية خاصة لضبّاط أمريكيين لاتينيين، لمكافحة الحركات الثورية، هدفها قمع العمل المسلّح الذي تقوم به جماهير الفلاحين ضد الاستغلال الإقطاعي الذي يخضعون له.

في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، قامت وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) بتنظيم مدارس خاصة لتدريب عملاء أمريكيين لاتينيين بأشد طرق الاغتيال دهاءً، والتصفية الجسدية للقادة المناهضين للإمبريالية هي سياسة معتمدة من قبل الخدمات العسكرية اليانكيّة.

واضح أن السفارات اليانكية في بلدان مختلفة من أمريكا اللاتينية تقوم بتنظيم وتوجيه وتجهيز عصابات فاشية لزرع الذعر والاعتداء على المنظمات العمالية والطلابية الثقافية. وهذه العصابات، التي تجنّد أبناء الأوليغارشيّات وحثالةً وأناساً من أقذرهم أخلاقاً، ممن ارتكبوا سلسلة من الأعمال العدوانية ضد الحركات الجماهيرية.

ليس في أهداف الإمبريالية ما هو أوضح وأقل موضعاً للالتباس من سلوكها في الأحداث التي وقعت مؤخراً في سانتو دومينغو. فبدون تبرير من أي نوع، ومن دون مراعاةٍ حتى للعلاقات الدبلوماسية مع هذه الجمهورية، أعلنت الولايات المتحدة، بعدما نشرت سفنها الحربية قبالة العاصمة الدومينيكانية، وبصلافتها المعتادة، بـأنه حالما تطلب حكومة بالاغير مساعدة عسكرية، فإن قواتها ستُنزل في سانتو دومينغو في وجه تمرّد الشعب الدومينيكاني. فالولايات المتحدة لم تأخذ في حسبانها أبداً فساد سلطة بالاغير، ولا أنه يجب أن يكون حقاً لكل شعب ذي سيادة في أمريكا اللاتينية حلّ مشكلاته الداخلية بدون تدخّل خارجي، ولا أن هناك أعرافاً دولية ورأي عام عالمي، ولا حتى وجود "منظمة الدول الأمريكية". ما كان في حسبانها، نعم، هو التصميم على منع الثورة الدومينيكانية، واستئناف عمليات الإنزال البحري الكريهة لقوات مشاتها البحرية، ومن دون مستند أو شرط لتبرير هذا المفهوم الجديد للقرصنة القانونية إلا طلب حاكم مستبدّ ولا شرعي ومأزوم. ما يعنيه ذلك يجب ألا يخفى على الشعوب. يوجد في أمريكا اللاتينية فائض من الحكام من هذا النوع، المستعدّين لاستخدام القوات اليانكية ضد شعب كل منهم عندما يجدون أنفسهم في أزمة.

هذه السياسة المعلنة من قبل الإمبريالية الأمريكية، سياسة إرسال جنود لقتال الحركة الثورية في أيٍّ من بلدان أمريكا اللاتينية، قتل عمال وطلاب وفلاحين، رجالٍ ونساءٍ أمريكيين لاتينيين، ليس لها هدفاً آخر غير مواصلة المحافظة على مصالحها الاحتكارية وامتيازات الأوليغارشيّات الخائنة التي تدعمها.

يُمكننا اليوم أن نرى بوضوح أن المعاهدات العسكرية الموقعة بين حكومة الولايات المتحدة وحكومات أمريكية لاتينية –وهي معاهدات سريّة في كثير من الأحيان ودائماً من وراء ظهر الشعب- استحضاراً لمخاطر خارجية افتراضية لم يرها أحد أبداً في أي مكان كان، إنما لها هدف واحد وحيد هو منع كفاح الشعوب، هي معاهدات ضد الشعوب، ضد الخطر الوحيد: الخطر الداخلي من حركة تحرر تهدّد المصالح اليانكية. لم يكن هباء أن الشعوب كانت تتساءل: لمَ كل هذه المعاهدات العسكرية؟ لم هذه الشحنات من الأسلحة التي هي، من الناحية الفنية، غير ملائمة لحرب معاصرة، وإنما، خلافاً لذلك، فعّالة في سحق إضرابات، قمع مظاهرات شعبية وإدماء البلاد؟ لمَ البعثات العسكرية، "معاهدة جانيرو" والألف مؤتمر دولي ومؤتمر؟

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، أخذت بلدان أمريكا اللاتينية بالازدياد فقراً يوماً بعد يوم؛ وقيمة صادراتها بالتراجع يوماً بعد يوم؛ وأسعار وارداتها ارتفاعاً يوماً بعد يوم؛ الدخل عن الفرد ينخفض؛ النسب المرعبة للوفيّات بين الأطفال لا تتراجع؛ عدد الأميّين أكبر؛ الشعوب تفتقد لفرص العمل والأراضي والمساكن الملائمة والمدارس والمستشفيات ووسائل الاتصال وسبل الحياة. خلافاً لذلك، حجم الاستثمارات الأمريكية يتجاوز العشرة مليارات دولار. بالإضافة لذلك، أمريكا اللاتينية هي مصدر مواد أوليَّة رخيصة ووُجهة سلع مصنَّعة باهظة الثمن. وكما كان يحصل مع أوائل الفاتحين الإسبان، الذين كانوا يقايضون الهنود مرايا وسلعاً رخيصة بذهب وفضّة، هكذا تتاجر الولايات المتحدة مع أمريكا اللاتينية. إن المحافظة هذا السيل من الثروة والاستيلاء على المزيد من موارد أمريكانا يوماً بعد يوم واستغلال شعوبها المعذَبة يقف وراء المعاهدات العسكرية والبعثات الحربية وضغوط واشنطن الدبلوماسية.

هذه السياسة الخانقة تدريجياً لسيادة البلدان الأمريكية اللاتينية، وطليقة اليد بالتدخل في شؤونها الداخلية، بلغت ذروتها في الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية. ففي بونتا ديل إيستي، جمعت الإمبريالية اليانكية وزراء الخارجية لكي تنتزع منهم، عبر الضغط السياسي والابتزاز الاقتصادي غير المسبوقَين، وبتواطؤ مجموعة من أسوأ حكام هذه القارة سمعة، التخلي عن السيادة الوطنية لشعوبنا وتكريس الحق الكريه بالتدخل اليانكي في الشؤون الداخلية للقارة الأمريكية؛ وإخضاع الشعوب لإرادة الولايات المتحدة الأمريكية المطلقة، التي كافح ضدها كل أبطال التحرير، من بوليفار وحتى ساندينو. ولم تخجل، لا حكومة الولايات المتحدة ولا ممثلي الأوليغارشيّات المستغِلَّة التي باعت نفسها للاحتكارات وللسادة الإقطاعيين، من المطالبة جهراً باتفاقات هي بمثابة التخلي الصريح عن حق شعوبنا بتقرير مصيرها، وشطبه بشحطة قلم، في أقذر مؤامرة عرفها تاريخ هذه القارة.

ضمن أبواب مغلقة، فيما بين مؤتمِرين مثيرين للاشمئزاز، حيث خصّص وزير المستعمرات اليانكي أياماً بأكملها لتذليل معارضة وارتياب بعض وزراء الخارجية، مسخّراً الملايين من الخزينة اليانكية في صفقة لشراء الأصوات، فرضت حفنة من ممثلي أوليغارشيّات بلدان بالكاد يصل مجموع سكانها مجتمعة إلى ثلث عدد سكان القارة، قرارات تقدِّم للسيد اليانكي على صينية من ذهب رأس مبدأ كلّف كل ما كلّفه من دماء شعوبنا منذ حروبها من أجل الاستقلال. الطابع البيروسي لكل إنجازات الإمبريالية المؤسفة والزائفة هذه ولفشلها المعنوي والإجماع المتصدّع والفضيحة العالمية، لا تقلل من حجم خطورة القرارات التي قاموا بفرضها بهذا الثمن على شعوب أمريكا اللاتينية. في ذلك الاجتماع اللاأخلاقي، ارتفع صوت كوبا العظيم بدون ضعف ولا خوف ليوجه إصبع الاتهام أمام كل شعوب القارة الأمريكية والعالم بارتكاب الهجوم الهمجي وليدافع بشجاعة وبكرامة ستسجلهما صفحات التاريخ، ليس فقط عن حق كوبا، وإنما عن حق كل الشعوب الشقيقة في القارة الأمريكية المنتهَك (تصفيق). لم يكن بإمكان كلمة كوبا أن تجد صدى لها ضمن تلك الأغلبية المدجّنة، ولكن لم يكن بالإمكان الردّ عليها؛ لم يكن هناك متّسع إلا للصمت العاجز أمام الحجج الساحقة، أمام شفافية وشجاعة كلماتها. لكن كوبا لم تتوجّه بكلماتها إلى وزراء الخارجية، كوبا توجّهت بكلماتها إلى الشعوب وإلى التاريخ، حيث سيكون لكلماتها صدى وردوداً (تصفيق).

في بونتا ديل إيستي جرى خوض معركة إيديولوجية كبرى بين الثورة الكوبية والإمبريالية اليانكية. ماذا كانت تمثل هناك، وباسم من تحدّثت كل واحدة منهما؟ كوبا مثّلت الشعوب؛ والولايات المتحدة مثّلت الاحتكارات. كوبا تحدّثت باسم الجماهير المستغَلَّة في القارة الأمريكية؛ والولايات المتحدة تحدّثت باسم مصالح الأوليغارشيّات المستغِلَّة والإمبرياليّة. كوبا تحدّثت باسم السيادة (تصفيق)؛ والولايات المتحدة باسم التدخُّل. كوبا باسم تأميم الشركات الأجنبية؛ والولايات المتحدة باسم استثمارات جديدة رأسمالها خارجي. كوبا باسم الثقافة؛ والولايات المتحدة باسم الجهل. كوبا باسم الإصلاح الزراعي؛ والولايات المتحدة باسم الإقطاع. كوبا باسم تصنيع القارة الأمريكية؛ والولايات المتحدة باسم التخلّف. كوبا باسم العمل الخلاّق؛ والولايات المتحدة باسم التخريب والإرهاب المعادي للثورة الذي يمارسه عملاؤها، وتدمير حقول قصب السكّر والمصانع وأعمال قصف طائراتها المقرصنة التي تستهدف عمل شعب مسالم. كوبا باسم معلّمي القراءة والكتابة المغدورين (تصفيق)؛ والولايات المتحدة باسم قتلتهم. كوبا باسم الخبز؛ والولايات المتحدة باسم الجوع. كوبا باسم المساواة، والولايات المتحدة باسم الامتيازات والتمييز. كوبا باسم الحقيقة (تصفيق)؛ والولايات المتحدة باسم الكذب. كوبا باسم التحرير؛ والولايات المتحدة باسم الاضطهاد. كوبا باسم مستقبل مضيء للبشرية؛ والولايات المتحدة باسم الماضي بلا أمل. كوبا باسم الأبطال الذين قضوا في شاطئ خيرون (خليج الخنازير) في سبيل إنقاذ الوطن من الهيمنة الخارجية (تصفيق وهتافات: "فيدل، بثقة، اضرب على رأس اليانكيين!")؛ والولايات المتحدة باسم المرتزقة والخونة الذين يخدمون الأجنبي ضد وطنهم (أصوات توبيخية مرتفعة). كوبا باسم السلام بين الشعوب؛ والولايات المتحدة باسم العدوان والحرب. كوبا باسم الاشتراكية (تصفيق مطوَّل)؛ والولايات المتحدة باسم الرأسماليّة.

القرارات التي حصلت عليها الولايات المتحدة بأساليب تبلغ من إثارة الخجل أن العالم بأسره ينتقدها، لا تنتقص وإنما تسمو بخلقية كوبا وما يحضرها من حق، وتثبت استسلام وخيانة الأوليغارشيات للمصالح الوطنية وترشد الشعوب إلى طريق التحرر؛ وتكشف نتن الطبقات المستغِلَّة، التي تحدث ممثلوها باسمها في بونتا ديل إيستي. لقد انكشف أمر "منظمة الدول الأمريكية" وما هي عليه: وزارة مستعمرات يانكية، تحالف عسكري، جهاز قمع لحركات تحرر الشعوب الأمريكية اللاتينية.

لقد عاشت كوبا ثلاث سنوات من الثورة في ظل مضايقة متواصلة من التدخل اليانكي في شؤوننا الداخلية. طائرات قرصنة قادمة من الولايات المتحدة تطلق مواد قابلة للاشتعال حرقت حقولاً واسعة من مزارع قصب السكر؛ أعمال تخريب دولي ارتكبها عملاء يانكيون، مثل تفجير باخرة "لا كوبري"، كلّفت أرواح عشرات الكوبيين؛ آلاف من الأسلحة الأمريكية من كل نوع ألقتها الخدمات العسكرية الأمريكية بمظلات فوق أراضينا من أجل التحفيز على التمرّد؛ مئات الأطنان من المواد المتفجرة والآلات الجهنّمية أنزلتها زوارق أمريكية بالخفاء على سواحلنا لتشجيع الأعمال التخريبية والإرهاب؛ عامل كوبي تعرّض للتعذيب في قاعدة غوانتانامو البحرية وقتله بدون محاكمة وبدون تقديم أي تفسير لاحقاً (هتافات توبيخية)؛ حصتنا من مبيعات السكر تم إلغاؤها بين ليلة وضحاها، وإعلان الحظر على قطع الغيار والمواد الأوليّة للمصانع وآليات البناء الأمريكية من أجل تدمير اقتصادنا؛ قطع بحرية عسكرية وقاذفات قادمة من قواعد مجهّزة من قبل حكومة الولايات المتحدة هاجمت على نحو مفاجئ مرافئ ومنشآت كوبية؛ قوات مرتزقة، تم تنظيمها وتدريبها في بلدان من أمريكا الوسطى على يد الحكومة نفسها، قامت بمهاجمة أراضينا بحماية سفن تابعة للأسطول اليانكي وبإسناد جوي من قواعد خارجية، مما أدى إلى خسائر كبيرة بالأرواح وتدمير الممتلكات؛ كوبيون معادون للثورة يتم تدريبهم على يد الجيش الأمريكي وخطط عدوانية جديدة يتم وضعها ضد كوبا. كل ذلك حدث خلال ثلاث سنوات بشكل متواصل، على مرأى من القارة، و"منظمة الدول الأمريكية" لا عِلم لها. وزراء الخارجية يجتمعون في بونتا ديل إيستي، ولا حتى يلومون حكومة الولايات المتحدة ولا الحكومات المتواطئة مادّياً مع هذه الاعتداءات. يطردون كوبا، البلد الأمريكي اللاتيني الضحية، البلد موضع العدوان.

للولايات المتحدة معاهدات عسكرية مع بلدان من جميع القارات؛ وتكتلات عسكرية مع كل حكومة فاشية ورجعية وذات نزعة للحرب توجد في العالم: "حلف شمال الأطلسي" (ناتو)، "منظمة معاهدة جنوب شرق آسيا" (SEATO) و"حلف بغداد"، التي يجب أن تُضاف إليها الآن "منظمة الدول الأمريكية"؛ فتتدخّل في لاوس، في فيتنام، في كوريا، في فورموسا، في برلين؛ وترسل علناً سفناً حربية إلى سانتو دومينغو لتفرض كلمتها وإرادتها عليها، وتجاهر بغايتها استخدام حلفائها في حلف الناتو لمحاصرة التجارة مع كوبا، و"منظمة الدول الأمريكية" لا تعلم شيئاً. يجتمع وزراء الخارجية ويطردون كوبا، التي لا تقيم تحالفاً عسكريّاً مع أي بلد كان. وهكذا، تحمل الحكومة التي تنظّم التخريب في العالم كلّه وتقيم تحالفات عسكرية في أربع قارّات، على طرد كوبا، متهمةً إياها بما لا يقل عن التخريب على علاقات القارة مع الخارج.

كوبا، البلد الذي حوّل أكثر من مائة ألف من صغار المزارعين إلى ملاّك للأرض (تصفيق)، وأمّن العمل على مدار السنة في مزارع وتعاونيّات لجميع العمّال الزراعيّين، وحوّل الثكنات العسكريّة إلى مدارس (تصفيق)، ووفّر 60 ألف منحة دراسية جامعيّة ومتوسّطة وتكنولوجية، وبنى غرفاً تعليمية لمجمل الأطفال، واستأصل الأميّة كليّاً (تصفيق)، وضاعف أربع مرّات حجم الخدمات الطبية، وأمّم الشركات الاحتكاريّة (تصفيق)، وألغى النظام الظالم الذي يجعل من المسكن وسيلة لاستغلال الشعب، وقضى عمليّاً على البطالة، وألغى التمييز لأسباب تتعلّق بالعرق أو الجنس (تصفيق)، ومحى من الوجود مجالس القمار والرذيلة والفساد الإداري (تصفيق)، وسلّح الشعب (تصفيق)، وحوّل الاستمتاع بحقوق الإنسان إلى واقع حي مع تخليصه للرجل والمرأة من الاستغلال والجهل والتفاوت الاجتماعي (تصفيق)؛ والذي تحرر من كل وصاية أجنبية، وحقّق كامل سيادته، ووضع الأسس لتطوير اقتصاده لكي يكفّ عن كونه بلداً أحاديّ المنتج ومصدّراً للمواد الأوليّة، يتم طردها من "منظمة الدول الأمريكية" على يد حكومات لم تحقّق لشعوبها ولا واحداً فقط من هذه المطالب (تصفيق). كيف سيتمكنون من تبرير سلوكهم أمام شعوب القارة الأمريكية والعالم؟ كيف سيتمكنون من النفي بأنه في مفهومهم لا تتواءم سياسة الأرض، الخبز، العمل، الصحة، الحرية، المساواة، الثقافة، التنمية المتسارعة للاقتصاد، الكرامة الوطنية، الحق الكامل بتقرير المصير والسيادة، مع هذا النصف من العالم؟

الشعوب تفكّر بطريقة مختلفة تماماً. الشعوب ترى أن الأمر الوحيد الذي لا يتواءم مع مصير أمريكا اللاتينية هو البؤس، الاستغلال الاقطاعي، الأميّة، رواتب الجوع، البطالة، سياسة قمع الجماهير العمالية والفلاحية والطلابية، التمييز بحق المرأة والهندي الأحمر والخلاسي، اضطهاد الأوليغارشيّات، نهب الاحتكارات اليانكية لثرواتها، الخنق المعنوي لمثقفيها وفنانيها، وانهيار صغار مزارعيها بفعل المنافسة الأجنبية، التخلف الاقتصادي، المدن بلا طرق، بلا مستشفيات، بلا مساكن، بلا مدارس، بلا صناعات، الخضوع للإمبريالية، التخلي عن السيادة الوطنية وخيانة الوطن.

كيف سيستطيع الإمبرياليون شرح سلوكهم، موقفهم الذي يدين كوبا؟ بأي مفردات سوف يتكلّمون وانطلاقاً من أي مشاعر، أمام من تجاهلوهم، مع أنهم، نعم، استغلّوهم، على مدار مدة طويلة جداً من الزمن؟

المهتمون بدراسة مشكلات القارة الأمريكية، يتساءلون عادة: أي بلد، من هم الذين عاينوا بشكل صحيح وضع المشرّدين، الفقراء، الهنود الحمر، الزنوج، الأطفال المحرومين، هذا العدد الهائل من الأطفال الذي بلغ 30 مليوناً عام 1950 –وسيبلغ أكثر من 50 مليوناً بعد ثماني سنوات. نعم، مَن؟ أي بلد فعل ذلك؟

اثنان وثلاثون مليوناً من السكان الأصليين يشكّلون جزءاً من سلسلة جبال الأنديز أو من مجمل القارة الأمريكية على حد سواء. طبعاً، بالنسبة للذين تعاملوا معهم كشيء، أكثر من كونهم بشر، فإن هذا المجتمع لا وجود له، ولم يكن له وجود، وما كانوا يظنّون بأنه سيكون له وجود. ومع ذلك، فإنه موجود كقوة عمل عمياء، ينبغي استعمالها كما يتم استعمال ثيران الحراثة أو الجرارات.

كيف يُمكن رجاء أي فائدة، في أي تحالف من أجل التقدم مع الإمبريالية؛ تحت أي قسَم، ما دام تحت حمايتها المقدسة، ما يزال السكان الأصليون في جنوب القارة يعانون مجازرها، وملاحقاتها، كما هو حال أبناء باتاغونية، الذين يعيشون في خيم كما كان يعيش أسلافهم عندما وصل المكتِشفون، قبل نحو 500 سنة؛ وحيث أولئك الذين كانوا أعراقاً عظيمة ممن قطنوا شمال الأرجنتين وباراغواي وبوليفيا، مثل أبناء حضارة غوارانيه، الذين تم التنكيل بهم بوحشية، كمن يتصيّد الحيوانات والذين تم دفنهم داخل الأدغال؛ وحيث هذا الذخر الأصلي، الذي أمكنه أن ينفع كأساس لحضارة أمريكية عظيمة –والتي يعجلّ فناؤها في كل لحظة- والتي اندفعت إليها "أمريكا" عبر المستنقعات الباراغوائية والهضاب البوليفية، الحزينة، البدائية، الأعراق الكئيبة، التي جرى تجهيلها بالكحول والمخدرات، التي يتم اللجوء إليها من أجل البقاء على الأقل في الظروف اللاإنسانية (ليس فقط من ناحية الغذاء) التي يعيشون فيها؛ حيث امتدت سلسلة من الأيدي – من دون جدوى تقريباً، وحتى اليوم – ومنذ قرون بلا فائدة، من على ظهر سلسلة الجبال ومنحدراتها، وعلى طول الأنهار الكبيرة وعبر ظلال الغابات، لتوحيد بؤسهم مع بؤس الآخرين الذين يتلاشون ببطء، مع القبائل البرازيلية وتلك الموجودة في شمال القارة وسواحلها، حتى وصلت إلى مائة ألف من قبائل حليقي الرأس في فنزويلا، في حالة لا تصدق من التخلف ومحاصرة بوحشية في غابات الأمازون أو جبال بيريجا، مروراً بقبائل "فابيتشان" المعزولة، التي تنتظر نهايتها في أراضي غويانا الساخنة، والتي ضاعت نهائياً تقريباً من التصنيف البشري؟ نعم، هؤلاء الـ 32 مليون هندي أحمر الذين يمتدون من الحدود مع الولايات المتحدة إلى حدود نصف الكرة الجنوبي والـ 45 مليون خلاسي، والذين في معظمهم يختلفون قليلاً عن الهنود الحمر؛ لكل هؤلاء السكان الأصليين، لهذا الشلال الهائل من قوة العمل، مهضومي الحقوق، نعم، ما الذي تستطيع الإمبريالية أن تقدّمه لهم؟ كيف يُمكن لهؤلاء موضع التجاهل أن يرجوا أي فائدة تأتي من هذه الأيدي الملطخة بالدماء؟ قبائل بأكملها لا تزال تعيش عارية؛ وقبائل أخرى يفترضونها آكلة للحوم البشر؛ وأخرى، في أول اتصال لها مع الحضارة الفاتحة، قضى أبناؤها كالحشرات؛ وأخرى تم نفيها، أي أنه تم طردها من أراضيها، حيث يتم الدفع بها حتى تلقي بنفسها في الغابات أو في الجبال أو في أعماق السهول حيث لا تصل ذرة واحدة من الثقافة أو الضوء. أو الخبز أو أي شيء.

في أي "تحالف" سوف تؤمن هذه الأعراق الأصلية، المضروبة بالعصا على مر قرون، والمقتولة بالأعيرة النارية من أجل الاستيلاء على أراضيها، والمقتولة بالعصا بالآلاف، بسبب عدم عملهم بسرعة أكبر في خدماتهم الاستغلالية من قبل الإمبريالية، إن لم يكن إيماناً بتحالف من أجل قتلها بسرعة أكبر؟

والزنوج؟ أي "تحالف" يستطيع أن يوفره لهم نظام الإعدام بلا محاكمة والإهمال الوحشي للزنجي القائم في الولايات المتحدة للخمسة عشر مليون زنجي وأربعة عشر خلاسي من الأمريكيين اللاتينيين الذين يعلمون بهول وغضب أن أخوتهم في الشمال لا يستطيعون أن يمتطوا ذات سيارة الأجرة التي يمتطيها أبناء وطنهم البيض، ولا أن يرتادوا إلى ذات المدارس، ولا حتى أن يموتوا في ذات المستشفيات؟ كيف لهذه النواة من الأقليات المهملة أن تؤمن بهذه الإمبريالية، بفوائدها بـ "تحالفاتها" (إلا من أجل إعدامها بلا محاكمة واستغلالها كعبيد)؛ فهذه الجماهير، التي لم تتمكن من الاستمتاع ولو بالحد المتوسط من أي فائدة ثقافية أو اجتماعية أو مهنية؛ والتي حتى في الأمكنة التي يشكّلون فيها أغلبية، أو يُعدّون بالملايين، تُساء معاملتهم على يد الإمبرياليين المتنكّرين كـ "كو-كلوكس-كلان"؛ ويجري الزجّ بهم في الأحياء الأسوأ ظروفاً، والمساكن الجماعيّة الأشد خلوّاً من وسائل الراحة، وهي من صنعهم هم، والدفع بهم لمزاولة أسوأ المهن، والقيام بأقسى أنواع العمل والمهن الأقل كسباً، لا يترتب عنها اتصال بالجامعات وكبريات الأكاديميات والمدارس الخاصة؟

أي "تحالف من أجل التقدم" يُمكنه أن ينفع كحافز لهؤلاء المائة وسبعة ملايين رجل وامرأة في قارتنا الأمريكية، العمود الفقري للعمل في المدن والأرياف، الذين تجعلهم بشرتهم السمراء –زنوج وخلاسيون وهنود حمر- موضع تحقير المُستعمِرين الجدد؟ كيف سيثق بالتحالف المزعوم أولئك الذين شاهدوا في بنما، بشعور بالعجز لم يستطيعوا كبحه، بأن هناك أجر لليانكي وآخر للبنمي، الذي يعتبرونه هم ابن عرق أدنى؟

ما الذي يُمكن أن يأمله العمّال بأجورهم المزرية، وأقسى أنواع العمل، والظروف الأكثر بؤساً، وسوء التغذية والأمراض وكل المساوئ التي يفرّخها البؤس؟

ماذا يستطيع الإمبرياليون أن يقولوا، أي كلمات، أي فوائد يستطيعون تقديمها لعمال مناجم النحاس، القصدير، الحديد، الفحم، الذين يضحون بسلامة رئاتهم لصالح ملاّك غرباء ولا يرحمون؛ لآباء وأبناء عمال الأخشاب والكاوتشوك والأعشاب ومزارع الفاكهة ومصانع البنّ والسكّر، والعمال في السُّهب والسهول الذين يعجنون بصحتهم وأرواحهم ثروات المستغِلِّين؟

ماذا يُمكن أن تأمل هذه الجماهير الواسعة التي تنتج الثروات، تصنع القيم، تساعد على ولادة عالم جديد في كل مكان؛ ماذا يُمكنها أن تأمل من الإمبريالية، هذا الفاه الذي لا يشبع، هذه اليد النهمة، بدون أي أفق قريب آخر غير البؤس، وأشد أنواع الحرمان، والموت البطيء وبلا تاريخ في نهاية المطاف؟

ما الذي يُمكن أن تأمله هذه الطبقة، التي غيّرت مجرى التاريخ في أركان أخرى من العالم، وثوّرت العالم، وهي طليعة كل الضعفاء والمستغَلّين، ما الذي يُمكنها انتظاره من الإمبريالية، عدوّها الأشد عصية على التصالح معه؟

ماذا تستطيع أن تقدّم الإمبريالية، أي نوع من الفائدة، أي قدر بحياة أفضل وأكثر عدالة، أي دافع، أي حافز، أي اهتمام بالرقيّ، في سبيل التمكّن من تجاوز درجاتهم البسيطة والأولى، لمعلّمين وأساتذة ومهنيين ومثقفين وشعراء وفنانين، لأولئك الذي يهتمّون ويرعون بغيرة أجيال الأطفال والشباب لكي تتغذّي الإمبريالية بهم بعدها، لأولئك الذين يعتاشون من رواتب مذلّة في معظم البلدان؛ لأولئك الذين يعانون قيوداً في تعبيرهم السياسي والاجتماعي في كل مكان تقريباً، ممن لا يتعدّون، بإمكانياتهم الاقتصادية، أكثر من مجرّد خطّ مواردهم وتعويضاتهم اللامأمون، المدفونين في حياة رماديّة وبلا آفاق، تنتهي إلى تقاعد لا يغطّى بدله ولا حتى نصف النفقات؟ أية "فوائد" أو "تحالفات" ستستطيع الإمبريالية تقديمها، غير تلك التي تصب في منفعتها كليّاً؟ فإذا ما وفّرت مصادر مساعدة لمهنيّيها، لفنّانيها، لمنشوراتها، إنما هو في سبيل الخير الذي يُفهم منه بأه نتاجه يجب أن يعكس مصالحها، أهدافها، "لا شيئها". الروايات التي تحاول أن تعكس واقع عالم مغامراتها الجشعة؛ القصائد التي تريد أن تترجم احتجاجات على قمعها، على تدخلها في حياة وعقل ودواخل بلدانها وشعوبها؛ الفنون القتالية التي تسعى لأن تنقل في تعبيراتها أشكال ومحتوى عدوانها وضغطها المتواصل على كل ما هو حي وتُشتم منه رائحة التقدم؛ كل ما هو ثوري، كل ما يعلِّم، ما يحاول أن يرشد، بدافع ما يملأه من نور ووعي ووضوح وجمال، البشر والشعوب إلى وجهات أفضل، نحو قمم الفكر والحياة والعدالة السامية، يجد أشد من استنكار للإمبريالية؛ يصطدم بالحاجز ويكون موضع إدانة واضطهاد ماكارثي. صحافتها تغلق أبوابها أمامهم؛ وأسماؤهم تُمحى من الأعمدة وتطبّق عليهم أفظع بلاطة صمت، وآنذاك –وهو تناقض آخر للإمبريالية- يبدأ الكاتب أو الشاعر أو الرسّام أو النحات أو المبدع في أي مادة كانت، أو العالم، يبدأون بعيش الحقيقة، بالعيش على لسان الشعب، في قلب الملايين من البشر في العالم. الإمبريالية تقلب كل شيء، تشوّهه، وتوجهه في القنوات التي تناسبها، في سبيل استغلاله، باتجاه مضاعفة دولاراتها، عبر شراء الكلمات أو اللوحات أو الصمت، أو عبر تحويل تعبيرات الثوريين والتقدميين والمناضلين من أجل الشعب وحل مشكلاته إلى صمت.

لا يمكن أن ننسى ضمن هذا المشهد المحزن الأطفال الضعفاء المهملين؛ الأطفال بلا مستقبل في القارة الأمريكية.

أمريكا هي قارة نسبة الإنجاب فيها مرتفعة، وكذلك نسبة الوفيّات فيها مرتفعة. الوفيات بين الأطفال دون بلوغهم السنة الأولى من العمر كانت تصل في 11 بلداً منها قبل سنوات قليلة إلى 125 بين كل ألف مولود، وفي بلدان أخرى، عددها 17، إلى 90 طفلاً.

خلافاً لذلك، تصل هذه النسبة في 102 من بلدان العالم إلى 51. وفي القارة الأمريكية يموت وللأسف، وبسبب انعدام العناية، 74 طفل من بين كل ألف خلال السنة الأولى من عمرهم. هناك بلدان أمريكية لاتينية تصل فيها نسبة الوفيات في بعض الأماكن إلى 300 بالألف؛ آلاف وآلاف من الأطفال يقضون في القارة الأمريكية قبل بلوغهم السابعة من العمر بسبب أمراض لا تصدّق: إسهال، التهابات رئوية، سوء تغذية، جوع؛ آلاف وآلاف بسبب أمراض أخرى بلا عناية في المستشفيات ولا أدوية؛ آلاف وآلاف تجدهم مصابين بالفدامة المستوطنة، والملاريا والتراخوما وغيرها من الأمراض الناتجة عن التلوّث بأنواعه والنقص بالمياه وغيرهما من الاحتياجات.

مساوئ من هذا النوع تجدها بالجملة في بلدان القارة الأمريكية حيث يعاني آلاف وآلاف من الأطفال، أبناء منبوذين، أبناء فقراء وبرجوازيين صغار تحكمهم حياة شاقة وسبل عيش غير مستقرّة. المعطيات التي تفيض عن الحاجة، تقشعرّ لها الأبدان. أي منشور رسمي للمنظمات الدولية يعدّها بالمئات.

على صعيد التعليم، يثير الغضب مستوى الجهل الذي تعانيه قارتنا الأمريكية هذه. فبينما تحقق الولايات المتحدة مستوى تعليمي يصل إلى ثماني أو تسع سنوات دراسية بين الفئة من سكانها البالغة أعمارها 19 عاماً فما فوق، نجد أنه في أمريكا اللاتينية، التي يسلبونها وينهبونها هم، يبلغ هذا المستوى سنة واحدة تم اجتيازها بنجاح عند هذه الفئة من العمر. ويثير غضباً أكبر بعد عندما نعلم أن من الأطفال بين الخامسة والرابعة عشرة من العمر فقط تصل نسبة المسجّلين في المدارس في بعض البلدان إلى 20 بالمائة، وفي المستويات الأعلى ما نسبته 60 بالمائة. أي أن أكثر من نصف أطفال أمريكا اللاتينية لا يرتادون إلى المدارس. لكن الألم يكبر أكثر عندما نجد بأن عدد المسجلين في الصفوف الثلاثة الأولى يشمل أكثر من ثمانين بالمائة من عدد المسجّلين؛ وأنه في الصف السادس، بالكاد تتراوح نسبة عدد المسجّلين بين و6 و22 تلميذ من بين كل مائة بدأوا في الصف الأول. حتى في البلدان التي تظن بأنها قد أولت عناية لأطفالها، تصل هذه النسبة من عدد الذين تركوا المدرسة بين الصفين الأول والسادس ما معدّله 73 بالمائة. في كوبا قبل الثورة كانت هذه النسبة تصل إلى 74 بالمائة. في كولومبيا "الديمقراطية التمثيلية" تصل إلى 78 بالمائة. وإذا ما دققنا النظر في هذا المجال، نجد أن 1 بالمائة من الأطفال، في أحسن الأحوال، يبلغون الصف الخامس من التعليم.

لدى التمحيص في ظاهرة التغيّب الكارثية عن المدرسة، نجد تفسير أحد أسبابها في: اقتصاد البؤس، انعدام المدارس، انعدام المعلّمين، انعدام الموارد العائلية، عمل الأطفال. في نهاية الأمر، الإمبريالية وما تقوم به من قهر وتتسبب به من تخلّف.

في إيجاز لهذا الكابوس الذي عاشته وتعيشه أمريكانا، من أقصاها إلى أقصاها، نجد أن هذه القارة البالغ عدد سكانها نحو 200 مليون نسَمة، يتكون ثلثاهم من السكان الأصليين والخلاسيين والزنوج، ومن "ضحايا التمييز" في هذه القارة المكونة من أشباه مستعمرات، يموت من الجوع ومن الأمراض القابلة للعلاج أو الشيخوخة المبكّرة، نحو أربعة أشخاص في الدقيقة، 5500 في اليوم، مليونان في السنة، وعشرة ملايين كل خمس سنوات. هذه الوفيّات يُمكن تفاديها بسهولة، ولكن، مع ذلك، هي تحدث. ثلثا سكان أمريكا اللاتينية يعيشون عمراً قصيراً وفي ظل تهديد دائم بالموت. هولوكوست أرواح تسبّب خلال 15 سنة بضعفي عدد قتلى حرب عام 1914، وما يزال. إلى ذلك، يدفق من أمريكا اللاتينية بسيل متواصل من الأموال إلى الولايات المتحدة: أربعة آلاف دولار في الدقيقة، خمسة ملايين في اليوم، مليارين في السنة، عشرة مليارات كل خمس سنوات. ومع كل ألف دولار نخسرها، نمنى بحالة وفاة. ألف دولار عن كل ميت: هذه هي تسعيرة ما تسمّى إمبريالية! ألف دولار عن كل ميت، أربع مرات في الدقيقة!

لكن، بالرغم من هذا الواقع الأمريكي، لماذا اجتمعوا في بونتا ديل إيستي؟ أترى من أجل الإسهام ولو مقدار ذرة في تخفيف هذه المساوئ؟ لا!

تعرف الشعوب أن وزراء الخارجية المجتمعين في بونتا ديل إيستي، الذين طردوا كوبا، قد اجتمعوا من أجل التخلي عن السيادة الوطنية؛ وأن الحكومة الأمريكية قد ذهبت إلى هناك لكي تضع أسساً، ليس فقط للعدوان على كوبا، وإنما للتدخل في أي من بلدان القارة الأمريكية ضد حركة تحرر الشعوب؛ وأن الولايات المتحدة تعدّ أمريكا اللاتينية لمأساة دموية؛ وأن الأوليغارشيّات المستغِلّة، وكما هي تتخلّى الآن عن مبدأ السيادة، لن تتردد في طلب تدخّل القوات اليانكية ضد شعوبها نفسها، وأنه لهذه الغاية قد اقترح الوفد الأمريكي لجنة مراقبة للتمرّد في "مجلس الدفاع عبر الأمريكي"، مع صلاحيات تنفيذية، واعتماد إجراءات جماعيّة. التمرّد بالنسبة للإمبريالييين اليانكيين هو كفاح الشعوب الجائعة من أجل الخبز، كفاح الشعوب في وجه الاستغلال الإمبريالي. لجنة مراقبة في "مجلس الدفاع عبر الأمريكي" مع صلاحيات تنفيذية يعني قوة قمع قاريّة ضد الشعوب تحت أمرة البنتاغون. إجراءات جماعية يعني عمليات إنزال لقوات مشاة بحرية يانكية في أي من بلدان القارة الأمريكية.

على اتهام كوبا بأنها تسعى لتصدير ثروتها، نردّ: الثورات لا تُصدَّر، إنما تصنعها الشعوب (تصفيق). ما يمكن لكوبا أن تقدّمه للشعوب، وقد قدّمته، هو مثالها (تصفيق).

وما هي دروس الثورة الكوبية؟ أن الثورة ممكنة، وأن بوسع الشعوب أن تصنعها (تصفيق)، وأنه لا يوجد قوى في العالم المعاصر قادرة على منع حركة تحرر الشعوب.

لم يكن انتصارنا ممكناً أبداً لو لم يكن مقدراً للثورة نفسها أن تنبثق من الظروف القائمة في واقعنا الاجتماعي والاقتصادي، وهو واقع موجود بدرجة أكبر في عدد كبير من بلدان أمريكا اللاتينية.

يحدث حتماً أنه في الدول التي تكون فيها سيطرة الاحتكارات اليانكية أقوى، يكون استغلال الأوليغارشية أكثر قسوة ووضع جماهير العمال والفلاحين أقل طيقاً، وتبدو السلطة السياسية أشد بطشاً، وتصبح حالات الطوارئ أكثر اعتيادية، فيُقمع بالقوّة كل تعبير عن الاستياء، ويُغلق المسار الديمقراطي تماماً، لتنكشف بوضوح أكبر من أي وقت مضى طبيعة الديكتاتورية الوحشية التي تتولى سلطة الطبقات الحاكمة. آنذاك، يصبح حتميّاً الانفجار الثوري عند الشعوب.

بالرغم من صحة القول أن الطبقة العاملة في البلدان النامية من القارة الأمريكية هي صغيرة نسبياً بشكل عام، إلا أن هناك طبقة اجتماعية تشكل، بسبب الظروف اللاإنسانية التي تعيش فيها، قوة كامنة تكتسب، في حال قادها العمال والمثقفون الثوريون، أهمية حاسمة في النضال من أجل التحرر الوطني، ألا وهي طبقة الفلاحين (تصفيق).

تجتمع في بلداننا ظروف صناعة متخلفة مع نظام زراعي إقطاعي الطابع. ولهذا فإنه، بالرغم من قسوة الظروف المعيشية لعمال المدن، يعيش سكان الريف في ظروف أكثر فظاعة من القهر والاستغلال؛ لكنه أيضاً قطاع الأغلبية المطلقة، مع استثناءات قليلة، بنسب تتجاوز أحياناً الـ 70 بالمائة من سكان أمريكا اللاتينية.

باستثناء كبار ملاكي الأراضي، الذين يقيمون غالباً في المدن، تحصل بقية تلك الكتلة الكبيرة على قوتها من خلال العمل كعمال في المزارع مقابل أجور بائسة، أو أنهم يزرعون الأرض في ظروف استغلالية ليست بأفضل من ظروف العصور الوسطى أبداً. هذه الظروف هي التي تجعل سكان الريف الفقراء في أمريكا اللاتينية يشكلون قوة ثورية هائلة كامنة.

عندما يتعين على الجيوش، المنظمة والمجهزة للحرب التقليدية، وهي القوة التي تستند إليها سلطة الطبقات المستغِلة، مواجهة النضال غير النظامي للفلاحين في بيئتهم الطبيعية، تكون عاجزة تماماً؛ فهي تخسر 10 رجال مقابل كل مقاتل ثوري يسقط، وتنهار معنوياتها سريعاً عندما يتعين عليها مواجهة عدو مرئي ولا يقهر لا يعطيها فرصة التباهي بتكتيكاتها الأكاديمية وصلفها العسكري، الذي تتبجّح كل ما تتبجّح به لقمع العمال والطلاب في المدن.

الكفاح الذي تبدأه أولاً مجموعات قتالية محدودة، يتغذى باستمرار بقوى جديدة، وتبدأ الحركة الجماهيرية بالانفلات، ويبدأ النظام القديم بالانقسام تدريجياً إلى ألف قطعة وقطعة، وعندها تحسم الطبقة العاملة وجماهير المدن المعركة.

ما الذي يجعل هذه المجموعات الأولى قوة لا تُقهر منذ بداية نضالها، بغض النظر عن عدد وقوة وموارد أعدائها؟ دعم الشعب. وهي تحظى بدعم الجماهير هذا بشكل أكبر يوماً بعد يوم.

لكن الفلاحين، وجرّاء إبقائهم بعيدين عن الوصول إلى الثقافة، وما يعيشونه من حالة عزلة، فهم طبقة تحتاج إلى قيادة ثورية وسياسية من الطبقة العاملة والمثقفين الثوريين، والتي لا يُمكن بدونها أن تنطلق إلى النضال وتحقيق النصر (تصفيق).

في ظل الظروف التاريخية الحالية لأمريكا اللاتينية، لا يمكن للبرجوازية الوطنية أن تقود النضال ضد الإقطاع ومناهضة الإمبريالية. تُظهر التجربة أن تلك الطبقة، في دولنا، حتى عندما تتعارض مصالحها مع مصالح الإمبريالية اليانكية، تكون عاجزة عن مواجهتها، ومشلولة بسبب خوفها من الثورة الاجتماعية وفزعة من صوت الجماهير المستغَلة. في معضلة اختيارها للإمبريالية أو للثورة، لن يقف إلى جانب الشعب إلا شرائحها الأكثر تقدمية.

ميزان القوى العالمي الحالي والحركة العالمية لتحرر الشعوب المستعمرة والتابعة يرشدان الطبقة العاملة والمثقفين الثوريين في أمريكا اللاتينية، إلى دورهما الحقيقي، وهو التموضع كلياً في طليعة النضال ضد الإمبريالية والإقطاعية (تصفيق).

باستخدام الاحتكارات السينمائية الكبرى ووكالاتها الإخبارية والمجلات والكتب والصحف الرجعية، تلجأ الإمبريالية إلى أشد الأكاذيب مكراً من أجل زرع الانقسام، وغرس الخوف والخشية الخرافية في نفوس أكثر الناس جهلاً من الأفكار الثورية، وهي أفكار لا يُمكنها أن تخيف إلا مصالح الأقوياء المستغِلّين وامتيازاتهم المقرونة، بل ويجب أن تخيفها.

إن نزعة الانقسام –الناجمة عن كل نوع من الأحكام المسبقة والأفكار الزائفة والأكاذيب- والتعصُّب الطائفي والدوغمائية وضيق الأفق لدى تحليل الدور الذي يقع على عاتق كل طبقة اجتماعية وأحزابها ومنظماتها وقادتها، تعرقل وحدة العمل التي لا بدّ منها بين القوى الديمقراطية والتقدمية لشعوبنا. إنها عيوب النمو، أمراض طفولة الحركة الثورية التي يجب تركها وراء الركب. في الصراع ضد الإمبريالية والإقطاعية، يُمكن إشراك الغالبية العظمى من الناس وراء أهداف التحرر التي توحد جهود الطبقة العاملة والفلاحين والعمال المثقفين والبرجوازية الصغيرة والفئات الأكثر تقدمية من البرجوازية الوطنية. تشمل هذه القطاعات الغالبية العظمى من السكان، وتضم قوى اجتماعية كبيرة قادرة على محو الهيمنة الإمبريالية والرجعية الإقطاعية. في هذه الحركة الواسعة، يمكنهم ويجب أن يناضل في خندق واحد، بما فيه الخير لبلدانهم، بما فيه الخير لشعوبهم، وبما فيه الخير للقارة الأمريكية، بدءاً من المناضل الشيوعي القديم وحتى الكاثوليكي المخلص الذي لا علاقة له بالاحتكارات اليانكية وأمراء الأرض الإقطاعيين (تصفيق).

يمكن لهذه الحركة أن تجر معها العناصر التقدمية في القوات المسلحة، التي أذلتها أيضاً البعثات العسكرية اليانكية، وخيانة الأوليغارشيات الإقطاعية للمصالح الوطنية وإخضاع السيادة الوطنية لإملاءات واشنطن.

هناك، حيث تكمن الحواجز التي تسدّ الطرق أمام الشعوب، حيث يكون قمع العمال والفلاحين شرساً، حيث تكون هيمنة الاحتكارات اليانكية أقوى، الأمر الأول والأهم هو الإدراك بأنه ليس من العدل ولا الصحيح إلهاء الشعوب بالوهم الباطل والمريح القائل باستخدام السبل القانونية، التي لا وجود لها ولن يكون لها وجود، لاقتلاع الطبقات الحاكمة المتمترسة في جميع مواقع الدولة، فتحتكر التعليم، وتتحكم بجميع وسائل النشر وبموارد مالية لا حدود لها، وبسلطة ستدافع عنها الاحتكارات والأوليغارشيات بالدم والنار بقوة شرطتها وجيوشها.

من واجب كل ثوري أن يصنع الثورة (تصفيق). من المعروف أن الثورة ستنتصر في القارة الأمريكية وفي العالم، لكن ليس من شيم الثوار أن يجلسوا على باب منزلهم لمشاهدة تشييع جثة الإمبريالية (تصفيق). لا يتناسب دور أيوب مع دور الثوري. كل عام يتقدّم فيه تحرير القارة الأمريكية، سيعني إنقاذ أرواح ملايين الأطفال، وملايين الملكات الثقافية، ومنع شلالات لا حصر لها من ألم الناس. حتى مع إعداد الإمبرياليين اليانكيين لمآسىٍ دموية للقارة الأمريكية، فلن يتمكنوا من سحق نضال الشعوب، وسوف يثيرون كراهية العالم لهم، وستكون أيضاً المآسي التي تمثل انحطاط نظامهم النهم والشرير (تصفيق). ليس هناك من شعب ضعيف في أمريكا اللاتينية، لأن كل واحد منها يشكل جزءاً من عائلة مكونة من 200 مليون أخ له يعانون من نفس البؤس، ويكنّون ذات المشاعر، ولديهم نفس العدو، ويحلمون بمستقبل أفضل، ويتمتعون بتضامن جميع الرجال والنساء الشرفاء في العالم بأسره (تصفيق).

بما بلغته ملحمة استقلال أمريكا اللاتينية من عظَمة، وما بلغه ذلك النضال من بطول، يأتي دور جيل اليوم من الأمريكيين اللاتينيين للقيام بملحمة أكبر وأكثر حسماً بالنسبة للإنسانية. لأن ذلك النضال في تلك المعركة كان للتخلص من القوة الاستعمارية الإسبانية، من إسبانيا قيد الانحطاط، بعدما غزتها جيوش نابليون. اليوم جاء دورها في الكفاح التحرري في وجه الدولة المستعمِرة الإمبراطورية الأشد سطوة في العالم، في وجه أهم قوّة للنظام الإمبريالي العالمي، ولتقديم خدمة للبشرية هي أكبر بعد من التي قدّمها أسلافنا.

لكن، أكثر من تلك المواجهة، مواجهة اليوم ستخوضها الجماهير، ستخوضها الشعوب (تصفيق)؛ سوف تلعب الشعوب دوراً أهم بكثير من ذلك الوقت؛ وأهمية الرجال والقادة في هذه المواجهة ستكون أقل مما كانت عليه في تلك.

هذه الملحمة التي تمثل أمامنا ستسطرها الجماهير الجائعة من هنود حمر وفلاحين بلا أرض وعمال مستغَلين؛ سوف تسطرها الجماهير التقدمية، المثقفون الشرفاء واللامعون الذين يكثرون في أراضينا الأمريكية اللاتينية المعذَبة (تصفيق). إنه صراع جماهيري وفكري؛ إنها ملحمة ستسطرها شعوبنا التي تسيء الإمبريالية معاملتها وتحتقرها، شعوبنا التي لا تعرفها حتى يومنا هذا، وبدأت تؤرقها. لقد تعاملت معنا كقطيع عاجز وخنوع، وقد بدأت بالفعل بالخوف من هذا القطيع؛ القطيع العملاق البالغ تعداده 200 مليون أمريكي لاتيني والذي بدأت ترى فيهم حفّارين لقبر الرأسمال الاحتكاري اليانكي (تصفيق).

هذه الكتلة البشرية العاملة، هؤلاء المستغَلين بظروف لاإنسانية، هؤلاء الفقراء شديدي الحاجة، الذين تتم معاملتهم بأساليب السوط الخوليّ، لم يُحسب لها حساب، أو أُخذت قليلاً في الحسبان. منذ فجر الاستقلال كانت أقدارهم واحدة: الهنود الحمر، الغاوتشو، المولدين، الخلاسيّن، البيض الذين ليس لديهم أصول أو دخل، كل تلك الكتلة البشرية التي تكوّنت في صفوف "الوطن" الذي لم تستمتع به أبداً، والتي سقطت بالملايين، الذي تمزق إربا، الذي نال استقلاله عن البلد المستعمر لصالح البرجوازية؛ تلك الكتلة البشرية، التي تم إغفالها من التوزيعات، ظلّت تشغل الدرجة السفلي في سلّم الفوائد الاجتماعية، واستمرت في الموت من الجوع، ومن الأمراض القابلة للعلاج، ومن الإهمال، لأنه لم تصل إليها السلع المخلّصة أبداً: مجرّد الخبز، سرير في مستشفى، الطب المُنقِذ، يد العَون.

لكن ساعة مطالبتها واسترداد حقها، الساعة التي اختارتها هي، إنما هي تدلّ عليها بدقّة من أقصى القارة إلى أقصاها. اليوم، هذه الكتلة المجهولة، هذه الأمريكا السمراء، القاتمة، الصامتة، التي تغني في جميع أنحاء القارة بنفس الحزن وخيبة الأمل، الآن هذه الكتلة هي التي بدأت بشكل نهائي في دخول تاريخها، وبدأت في كتابته بدمائها، تبدأ بالمعاناة والموت. فاليوم، في حقول وجبال القارة الأمريكية، وفي سفوح سلاسل جبالها، في سهولها وغاباتها، بين العزل وبين زحمة المدن، أو على سواحل المحيطات والأنهار العظيمة، تبدأ بالاهتزاز أركان هذا العالم المليء بالموجبات، بقبضات ساخنة رغبةً بالموت من أجل حقها، من أجل إحقاق حقوقها المهدورة من بعض ومن بعضٍ آخر على مدار نحو 500 سنة. الآن، نعم، للتاريخ أن يأخذ فقراء القارة الأمريكية بالحسبان، أن يأخذ بالحسبان مستغَلي ومُحقَّري أمريكا اللاتينية، الذين قرروا أن يبدأوا هم بكتابة تاريخهم، وإلى الأبد (تصفيق). لقد أصبحت تراهم على الطرقات، يوماً بعد يوم، سيراً على الأقدام، في مسيرات لا تنتهي، طولها مئات الكيلومترات، للوصول إلى "آلهة الأولمب" الحاكمة حكم "أوليمبوس" ليحصلوا على حقوقهم. أصبحت تراهم، مسلّحين بالحجارة، بالعصيّ، بالمناجل، على جهة وأخرى، وفي كل يوم، يحتلّون الأراضي، ويزرعون خطافاتهم في الأرض التي هي من حقهم، ويدافعون عنها بأرواحهم؛ تراهم يحملون يافطاتهم وراياتهم وشعاراتهم لترفرف في الريح عبر الجبال أو على طول السهول. وهذه الموجة من الخقد المُزلزِل، من العدالة التي يطالبون بها، من الحق المداس الذي بدأ في الارتفاع عبر أراضي أمريكا اللاتينية، لن تتوقف تلك الموجة بعد الآن. سوف تنمو هذه الموجة مع مرور كل يوم، لأن تلك الموجة تكوّنها الأغلبية، الأغلبية في جميع الجوانب، أولئك الذين يراكمون الثروة بعملهم، ويخلقون القيم، ويحرّكون عجلات التاريخ، والذين ينهضون الآن بعد فترة طويلة من السبات المُخبِل الذي أخضعوهم له.

لأن هذه الكتلة البشرية العظيمة قد قالت "كفى!" وشقّت طريقها. ومسيرتها، مسيرة العمالقة لن تتوقف حتى تحقق الاستقلال الحقيقي، الذي قضت من أجله أكثر من مرة بلا جدوى (تصفيق). الآن، على أي حال، من يقضون، سيقضون كالذين قضوا في كوبا، في شاطئ خيرون (خليج الخنازير)، سيقضون من أجل استقلالهم الوحيد والحقيقي وغير القابل للتصرف! (تصفيق مطول).

الوطن أو الموت!

سننتصر!

شعب كوبا

هافانا، كوبا

الأرض الحرة في القارة الأمريكية،

4 شباط/فبراير 1962

تقرر الجمعية العامة الوطنية لشعب كوبا أن يُعرف هذا الإعلان باسم "بيان هافانا الثاني"، وترجمته إلى اللغات الرئيسية وتوزيعه في جميع أنحاء العالم. كما تقرر أن تطلب من جميع أصدقاء الثورة الكوبية في أمريكا اللاتينية نشره على نطاق واسع بين جماهير العمال والفلاحين والطلاب والمثقفين من الشعوب الشقيقة في هذه القارة (تصفيق).

يخضع هذا الإعلان لموافقة الشعب ويُطلب من جميع المواطنين الموافقين عليه رفع أيديهم.

(الحشد يرفع يديه مع تصفيق حاد مطوَّل ويُنشد النشيد الوطني الكوبي والنشيد الأممي)

يُعتمد من قبل الشعب الكوبي "بيان هافانا الثاني"، وتتكلل أعمال هذه الجمعية.

الوطن أو الموت!

سننتصر!

(تصفيق حاد)

 


 

 

الطبعات الاختزالية