مقابلات

المقابلة التي أجرتها صحيفة "إل‍ كلارين" (El Clarin) مع رئيس جمهورية كوبا، القائد العام فيدل كاسترو روس. بوينوس أيريس، الأرجنتين، 26 أيار/مايو 2003.

صحافي: سيادة الرئيس، بإمكاننا أن ندخل في الموضوع إذا بدا لكم ذلك مناسباً.
 
فيدل كاسترو: نعم، يبدو لي أن وقتنا ضيّق.
 
صحافي: طبعاً.
 
يبدو لي أن المسألة الجيدة التي يمكننا الانطلاق منها هي:
 
إننا نعيش مرحلة إعادة تصميم النظام العالمي، ليس بالضرورة على أساس القانون، وإنما على أساس القوة، كما رأينا للتو.
 
وكما تذكّرون حضرتكم دائماً، في كل لحظة، فإن تعيش كوبا منذ عدة عقود نظام حصار يشكل عائقاً أكبر أمام إقامة نظام أمني بالنسبة للتجربة السياسية في الجزيرة، بالنسبة للحياة في الجزيرة. هل تعتقدون بأن هذا الوضع، اعتباراً من عملية إعادة التصميم التي يجسدها جورج بوش، هذه المحاولة لإعادة التصميم، هي أكثر وهناً، أكثر خطورة؟ كيف ترون حضرتكم ذلك؟
 
فيدل كاسترو: يعتمد ذلك على الإمكانيات التي تتمتع بها عملية إعادة التصميم هذه، ولكنني أستطيع أن أرد على سؤالك بالإيجاب، بأن هذا الوضع أكثر خطورة، أكثر حدة. ولكن ليس بالنسبة لكوبا فحسب، وإنما بالنسبة لعدد من البلدان لا يعرفه أحد، لأنه لا بد من تحليل تلك المعادلة التي ينوّه من خلالها إلى إمكانية مهاجمة ستين بلد أو أكثر؛ فبالنسبة لهذه ال‍ "أو أكثر" لا بد من ابتكار معادلة. وعندما قامت مبادرة في الولايات المتحدة بعد ذلك بأيام قليلة تقترح مهاجمة هولندا إذا ما عاقبت المحكمة الجنائية الدولية أي أمريكي، بدا بأن هذا ال‍ "X" هو واسع جداً. لا أدري إن كان هناك أحد يفلت من هذه ال‍ "أو أكثر".
 
صحافي: سيادة الرئيس، ولكن إعادة التصميم هذه بشكل خاص تعتمد على استخدام القوة أكثر من اعتمادها على نفاذ القانون. عندما تقولون حضرتكم -وأنا أعتقد أن الأمر كذلك- بأن هناك انعداماً أكبر بالاستقرار بالنسبة لكل المنطقة، على المرء أن يفكّر بأنه في المنطقة، وعلى خلاف العقد الماضي، آخذة بالنشوء اليوم حكومات جديدة، وعندما لا تكون حكومات، تكون خيارات سياسية، تتحدث عن تعب أمريكي لاتيني من الظلم، وشيء من الإعياء -سواء أُطلق عليه اسم النموذج الليبرالي، أو إجماع واشنطن، أو لا يهم الاسم الذي يوضع له- هناك إعياء من الظلم في المنطقة. وهذا ما يؤدي بنا منطقياً إلى التفكير -والتاريخ يعلّم ذلك- أنه عندما توجد هذه العمليات، تكون هناك إمكانيات أكبر للمواجهة مع الولايات المتحدة.
 
كيف ترون المستقبل، ليس مستقبل كوبا فحسب، وإنما مستقبل المنطقة؟ إنني أخص بالذكر شافيز، في فنزويلا؛ لولا، في البرازيل، وما يدلّ عليه.
 
فيدل كاسترو: هناك خطر ليس في المنطقة فحسب، إنما خطر عالمي؛ ولكنني ألاحظ بأنك تريد التحدث عن المنطقة.
 
صحافي: نعم.
 
فيدل كاسترو: نعم، هناك خطر يحيق بالمنطقة. وتأتي هذه المخاطر اعتباراً من مخاطر العدوان أو مخاطر تعرض المنطقة للالتهام: مخاطر قهر، مخاطر استيلاء على الموارد، مخاطر فرض نظام هو في الواقع في أزمة؛ إنها العولمة النيوليبرالية، والتي كل ما هو آخذ بالحدوث ليس إلا تعبيراً عن أزمتها.
 
تحتل كوبا المكان الأول، يشرفها أنها تتعرض لأكبر خطر.
 
صحافي: ربما، يا سيادة الرئيس، مع أن الخطر الذي تتعرض له كوبا هو كبير، فإن الخطر الأكبر في المنطقة هو على كولومبيا. ففي كولومبيا يمكن للمرء أن يفكّر الآن بالدعوة الموجهة من قبل الحكومة الكولومبية نفسها إلى العسكرة القارية للصراع القائم منذ عقود، وسوف يكون هذا عسيراً جداً بالنسبة للبلدان، أن تأتي هذه الدعوة إلى عسكرة الصراع على مستوى القارة وأن تشجعها واشنطن؛ أي على نحو أوضح، إنه خطر تدخل عسكري في كولومبيا.
 
فيدل كاسترو: نعم، ولكنه خطر قادم منذ ما قبل هذه الإدارة. كما تم قبل هذه الإدارة أيضاً أن وقع حدث كالذي تعرضت له كوسوفو.
 
صحافي: طبعاً، تدخل حلف الناتو.
 
فيدل كاسترو: وكان الحديث يجري عن المفهوم الاستراتيجي الجديد للناتو. طرحت يوماً في البرازيل، في الثامن والعشرين من حزيران/يونيو 1999، عندما اجتمع رؤساء الدول الأوروبيين مع نظرائهم الأمريكيين اللاتينيين والكاريبيين، عدة أسئلة حول هذا المفهوم الاستراتيجي الجديد. أحدها هو: بودنا أن يوضَّح لنا ما إذا كانت بلدان أمريكا اللاتينية تندرج أم لا ضمن محيط المنطقة الأوروبية الأطلسية التي حددها حلف الناتو.
 
السؤال الثاني الذي يتلاءم تماماً مع هذه الحالة كان التالي: بعد مناقشات كثيرة، قدم الاتحاد الأوروبي دعمه لبيان صادر عن هذه القمة يقول: تقوم هذه الشراكة الاستراتيجية على أساس الاحترام الكامل للقانون الدولي وعلى أساس الأهداف والمبادئ المدرجة في ميثاق الأمم المتحدة، ومبادئ عدم التدخل، واحترام السيادة، والمساواة بين الدول وحق تقرير المصير. هل يعني ذلك بأن الولايات المتحدة تتعهد أيضاً باحترام المبادئ المدرجة ضمن قرار حلفائها هذا؟ ماذا سيكون عليه موقف أوروبا إذا ما قررت الولايات المتحدة على رأسها إطلاق قذائف وصواريخ بأية حجة كانت على أي من بلدان أمريكا اللاتينية وحوض الكاريبي المجتمعة هنا؟ لا أريد أن أقول بأن هذا السؤال كان استفزازياً، وإنما نعم كان صريحاً جداً.
 
رئيس الدولة البرازيلي، فيرناندو إنريكي كاردوسو، الذي يترأس الجلسة، قال بأن تلك الأسئلة هامة جداً واقترح الإجابة عليها في الخلوة الرئاسية التي كانت موشكة على الانعقاد. وقد وافق المستشار الألماني، شرويدير، وباقي القادة الأوروبيين على ذلك.
 
انعقدت الخلوة الرئاسية وكنت بانتظار حلول دور مناقشة الموضوع، وتحدثوا عن أمر وعن آخر ثم عن آخر، ومرّ الوقت ولم يذكر أحد الموضوع. لم أشأ أنا أن أكون لجوجاً بالمطالبة بالإجابة. لم تكن الإجابة هي المهم، وإنما السؤال الذي بقي مطروحاً هناك. كنت على علم بأنه ليس بوسع أي من الأوروبيين أن يقول كلمة واحدة. وما حدث في السنوات التالية يفسّر كل شيء. وميزان القوى لصالح الولايات المتحدة أصبح اليوم أكبر بكثير.
 
أنا بنفسي طرحت مؤخراً سؤالاً على السيد رئيس الحكومة الإسباني بشأن توصيات محددة قدمها في خضم حرب كوسوفو؛ وهو أمر بالغ الجدية؛ ولكن لا إجابة عليه، ربما لأنه لا يمكن لها أن توجد. توصلت إلى استنتاج، وقلت مازحاً بعض الشيء: "أنا أتهم، إذ أنا غير موجود". لأنني مهم بالنسبة لبعض الأمور، وخاصة عندما يحتاج الأمر لتحميل مسؤوليات، وحين أوجّه سؤالاً يجب الرد عليه، فإن الجواب يكون الصمت المطبق.
 
في هذا الأمر الذي تحكي عنه أنت بالتحديد، حصلت بعض التغيرات؛ أي في تلك السياسة التي جرى التلميح لها كمفهوم هيمنة تشارك فيه القوة العظمى وحلفائها القدامى وبعض الحلفاء الجدد، وهم أشد خطراً، لأن الجدد يريدون أن يخلقوا حسنات لهم بسرعة. فالوضع إذن أصبح مختلفاً عمّا كان عليه حين طرحت سؤالي عن تلك الاستراتيجية السياسية الجديدة لحلف الناتو. إنها أفكار آتية من الماضي، ولكنها كانت من قبل تستند إلى براهين وحجج محددة. لا تحتاج حكومة الولايات المتحدة هذه المرة لبراهين ولا لحجج. كان ذلك المفهوم يندرج، إلى حد ما، في إطار الأمم المتحدة وامتيازات مجلس الأمن؛ أما هذا فيتجاهل الأمم المتحدة، يتجاهل مجلس لأمن، يتجاهل أوروبا، يتجاهل حلف الناتو، يتجاهل كل العالم. إن مفهومهم هذا هو أحادي الجانب على الإطلاق.
 
صحافي: سيادة الرئيس، دعونا نضع ذلك في صورة بيانية.
 
منذ أزمة الصواريخ وحتى اليوم، حتى هذه الإدارة، كل هذا الذي ذكرتموه، ربما كان رهن البلورة؛ ولكن منذ حلول أزمة الصواريخ تلك وحتى الآن كان يزداد صعوبة يوماً بعد يوم التفكير بعمل عسكري مباشر ضد كوبا، كما حدث في فترة الحصارات البحرية. هل أصبحت هذه الإمكانية أكبر اليوم؟
 
فيدل كاسترو: نعم، أصبحت إمكانية ارتكاب الخطأ أكبر.
 
من شأن المنطقية ألا تدل على فعلهم ذلك؛ ولكن ليس علينا نحن الوقوف عند المنطق، لأنه لا وجود كبير للمنطق، ولا وجود للقانون الدولي أيضاً.
 
كان يوجد في ذلك الوضع خطر وشيك جداً خلال مدة معينة، خلال عدد من الأيام؛ وهذه الخطورة اليوم هي خطورة مطوّلة.
 
صحافي: إذا سمحتم لي: كان نهج الظلم الذي ذكره أوسكار موجوداً أيضاً في أمريكا الجنوبية قبل ثلاثين سنة من اليوم؛ كنّا نعانيه في حكومات الأرجنتين وشيلي وأوروغواي. تكللت هذه التجارب على نحو مأساوي بالنسبة لبلدنا. لماذا يمكن للأمر أن يختلف عنه اليوم؟
 
فيدل كاسترو: أي تجارب تقصد؟
 
صحافي: أعوام الستينات. حالة سلفادور أليندي في شيلي، كامبورا-بيرون في الأرجنتين. إنما كانت هناك موجة رد أمريكية لاتينية بكل معنى الكلمة، انتهت إلى دكتاتوريات.
 
فيدل كاسترو: إلى أنظمة استبداد دموية؛ إنها أمور مريعة التي حدثت؛ لا أدري، تبدو لي من صنع الخيال لا سابقة لها.
 
صحافي: واليوم لدينا ينوعاً في الأرجنتين.
 
فيدل كاسترو: حسناً، حسناً، ولكن المرحلة مختلفة.
 
بوسعي أن أقول بأن هذه اللحظة هي أفضل لحظة بالنسبة لأمريكا اللاتينية، خلافاً لتلك اللحظة.
 
صحافي: هذه هي أفضل لحظة؟
 
فيدل كاسترو: نعم، برأيي، اللحظة الأفضل.
 
صحافي: لماذا؟
 
فيدل كاسترو: سأشرح لك.
 
كانت من قبل بلداناً منعزلة. في شيلي فاز اليسار. وأول ما حصل هو خطة انقلابية لمنع استلامه للسلطة. فشلت الخطة. وتولّى أليندي السلطة. تحرك بتكتم. لقد تعرفت إليه أنا جيداً جداً. غير أنه تم تنظيم كل شيء منذ اللحظة الأولى من أجل الإطاحة به: تحضير، توفير ظروف. أضيفت إلى ذلك مشكلات اقتصادية فعلية وأخرى مختلقة. يمكن لأي حكومة ضمن تلك الظروف أن تواجه معضلات كبيرة أولاً، مطالب قديمة وآمال عند الناس بتحقيق التحسن بأسرع وقت ممكن، ومن ناحية أخرى، مصالح قديمة وقوية ليس من السهل تذليلها، وهو أمر يحتاج إلى عملية متكتمة وإلى الوقت. أكثر المعانين فقدوا صبرهم؛ وأولئك الذين لا يريدون مثل هذه التغيرات يعملون في سبيل إحداث الاستنزاف السريع للحكومات والإطاحة بها. ليس سراً على أحد بأن ذلك أضحى مهمة صعبة.
 
وتلك اللحظة الأرجنتينية التي تم ذكرها كانت أيضاً بالغة الأهمية، ولكنها مصحوبة بمخاطر ذات طابع داخلي؛ بالطبع، في بلد فيه الكثير من الموارد –لا بد من قول ذلك، ولا أظنكم ستأخذون على خاطركم إذا ما قلناه-، موارد هائلة من كل نوع، غذائية، طاقيّة بل وصناعية.
 
صحافي: لقد ذكرتمونا بذلك بالعلن في مناسبات سابقة، أيها القائد العام، بأننا بلد غني وأكثر فاعلية.
 
فيدل كاسترو: هذا هو ما أقوله. حضرتك تعرف ما تقول. وعليك أن ترد على الانتقاد بالانتقاد.
 
ولكن، حسناً، كانت الظروف على هذا الصعيد أفضل مما كانت عليه في شيلي. كان عند شيلي اعتماداً كبيراً على النحاس؛ طوّرت الآن قطاعات أخرى، مع أنها ما تزال زراعية، قطاعات كثيرة؛ على سبيل المثال، لقد تحول صيد الأسماك إلى مصدر لمداخيل كبيرة؛ لقد تحوّلوا إلى منتجين حتى للحليب. لقد كانت الزراعة وما تزال هامة. النبيذ –وبدون التقليل من باقي المنتجات- يتمتع بجودة، وهناك إنتاجية عالية وتنوع كبير. ولكنهم طوروا بشكل خاص المنتجات الحرجية والمنتجات البحرية، التي تشكل مصادر مداخيل هامة. واصلوا تطوير المعادن أيضاً.
 
لم يكن أليندي يتمتع بهذه الموارد: كان عنده الكثير من الاحتياجات، من المطالب الكبيرة ومن الحصارات المباشرة وغير المباشرة، ومن إلغاء القروض.
 
إن هشاشة بلداننا… حسناً، جميعها إلا بلدنا. يخجلني أن أقول ذلك على هذا النحو، ولكن المسألة هي أن عليها الاعتماد على ما هو قائم، على صندوق النقد الدولي، على القروض والشروط بالغة الصعوبة التي يفرضها هذا.
 
لا يعني ذلك بأنه ليس لدينا مشكلات اقتصادية، وإنما أقول بأننا لا نعاني العراقيل التي لا مفر منها وتعانيها بقية أمريكا اللاتينية.
 
صحافي: ليست ذات المشكلات.
 
فيدل كاسترو: فكان ذلك التمرد الذي أشرتم إليه أنتم أكثر عزلة. فمع أن الديون، التي كانت قد أصبحت تبلغ آنذاك 300 ألف مليون دولار في تلك الحقبة، نحو ثلث ما هي عليه الآن، فاز أليندي بانتخابات عام 1970.
 
صحافي: نعم، تولى أليندي الحكم في نهايات عام 1970.
 
فيدل كاسترو: كانت ديون أمريكا اللاتينية ما تزال أدنى، ولكنها أخذت تنمو، وما زالت تنمو، ووصلت عام 1985 إلى نحو 300 ألف مليوناً.
 
العوامل التي تؤثر اليوم في الاضطراب وعدم الرضى هي أكثر انتشاراً في القارة. لم يعد هناك اليوم واحة في النصف الجنوبي من القارة، أو في الكاريبي، في أمريكا الوسطى، في المكسيك. ويكتسب هذا صفة عالمية بالنسبة لبلداننا. وقد أصبح التمرد أكثر انتشاراً بكثير. لم تكن قد نشأت بعد المرحلة الحالية من العولمة النيوليبرالية وهي مرحلة مريعة، ومن الخصخصة الإلزامية –إذا أمكن القول- لجميع الموارد، وإجراءات شديدة الصرامة تحكم على عملات البلدان الأمريكية اللاتينية بالفرار مهما كلف الثمن. واجب المال هو الفرار. ويضحي هذا أمراً منطقياً لأنه، أكان مالاً حراماً أو مالاً حلال، ليس بوسع أي عملة أمريكية لاتينية أن تضمن استقرار قيمتها؛ لا تضمنها على الإطلاق. حتى في بلدٍ حافظ على عملته بقيمة تعادل قيمة الدولار خلال سنوات قليلة، كالريال، على سبيل المثال –وأنا لا أدري أي منهما عرفنا أولاً، الريال أم البيسو، إن كان البيسو الأرجنتيني أم الريال البرازيلي، هل تتذكرون أنتم؟ لنضع البيسو قبل الريال. دخل الريال في أزمة قبل البيسو. كان كلاهما قد اعتراهما الوهم بأن الناس قد سئمت من التضخم وتريد عملة مستقرة، لأن التضخم الهائل والخارج عن السيطرة الذي قام كان كابوساً حقيقياً. طالما كان هناك تضخم تدريجي، إنه الاتجاه التاريخي. دولار اليوم يساوي عشرة سنتات تقريباً من الدولار قبل أربعين سنة.
 
صحافي: نعم، في عام 1971 عندما أعلنه نيكسون غير قابل للتحويل.
 
فيدل كاسترو: فمن قبل، كان يمكن اقتناء أشياء بسنتين اثنين، بل وبسنت واحد من الدولار، أليس كذلك؟ لا ينفع هذا السنت اليوم إلا للدعاية: "10.99 دولاراً" بدلاً من "11 دولاراً"، أو "99.99 دولاراً" بدلاً من "100 دولار"، وذلك من أجل خلق المؤثر النفسي بأن السلعة هي أرخص.
 
أي عملة هي مستقرة؟ الذهب كان عملة، كما كان الكاكاو عملة بالنسبة لهنود الأزتيك؛ ولكن كان لهما قيم بحد ذاتهما، كان للذهب وللكاكاو قيمة بنفسهما. ومن يدري حجم الأموال التي أنفقها العالم في إنتاج وسيلة التبادل هذه وهي الذهب.
 
أنا أعتقد بأن فكرة وجود وسائل تبادل أخرى، وجود رمز للمال، هي فكرة جيدة؛ ولكن ما يحصل هو أن هذا الرمز هو شيء تتم طباعته سراً، وهو رمز تم التمادي في استغلاله على نحو ما فوق العادي، بمن فيهم الأمريكيين، لأنهم من بين أكثر من طبعوا عملات ورقية، مع إلغاء إمكانية تحويله إلى ذهب، كما ذكرت حضرتك.
 
حسناً ربما كنتُ أطيل زيادة عن اللزوم، ولكنني أردت أن أجيب بأن الظروف مختلفة جداً، ونظراً لكل هذه العوامل، ولأن الأموال تفرّ وعليها أن تفرّ، ليس هناك من مفرّ؛ إذا ما فرضوا عليك بأنه لا يمكن وجود رقابة على الصرف، فإن مثل هذا الإجراء هو قاتل. يمكن لأي اضطراب، لأي مشكلة داخلية، أي مشكلة اقتصادية، انخفاض في الأسعار، عجز في الصادرات، عجز في الموازنة، أن يوفر الظروف الملائمة لاتجاه الأموال للفرار بسرعة أكبر: إجراءات محاربته التي يُنصح بها، أو على الأصح يفرضها النظام الاقتصادي الحالي: رفع نسبة الفوائد، لكي لا يفرّ؛ يرفعونها إلى أربعين بالمائة، وإلى خمسين بالمائة، ومن ثم عليهم أن يقرضوا هذه الأموال بنسبة 52 بالمائة، و55 بالمائة، وليس هناك من بلد يستطيع المحافظة على بقائه بقرض عليه أن يسدد مقابله 50 بالمائة من الفوائد لرأسمال عمل، استثمار، توسيع. لا وجود له.
 
عندما وقعت أزمة جنوب شرق آسيا، على سبيل المثال، قام مخاتير [محمد] بوضع رقابة على الصرف، كانت نسبة الفائدة على القروض تبلغ آنذاك 14 بالمائة، فخفضها إلى 7 بالمائة من أجل الخروج من التراجع الإنتاجي، لكي يشتغل الناس، وتوفير فرص عمل ويكون بإمكان الاقتصاد أن يعمل. ضمن هذه الظروف، تواجه أمريكا اللاتينية ظروفاً مريعة.
 
دقّقوا، حين أتيت المرة السابقة إلى هنا –إذا ما سمحتم لي سوف آخذ دقيقة إضافية…
 
صحافي: كل الوقت الذي تحتاجونه.
 
فيدل كاسترو: نعم، ما لا أريده هو أن أتخاصم مع الذين بانتظاري.
 
صحافي: ليسوا هم بغرباء، لسنا نحن…
 
فيدل كاسترو: من جهتي، بكل سرور، من شأني البقاء ثلاث ساعات.
 
عندما جئت إلى الأرجنتين في المرة الأولى، قبل 44 سنة، كانت الديون الأمريكية اللاتينية تبلغ 5000 مليوناً، وخطر على بالي ما طرحته آنذاك –طالما يخطر على بال المرء شيئاً من هذا: على أمريكا اللاتينية أن تحقق النمو، فالفقر كبير جداً. كان الحديث يجري عن خطة مارشال كمثال على مساعدة بلد فيه قدراً أكبر من الموارد، ومساعدة البقية، فقلت: "تحتاج أمريكا اللاتينية لخطة مارشال"، وذكرت رقم 20 ألف مليون دولار للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لأمريكا اللاتينية. لا أدري إن كنت فعلت خيراً أو فعلت سوءاً، من شأني أن أشعر بالندم؛ ولكنني أعتقد بأن الطرح كان صحيحاً. كان هناك روبوتون، إن لم تخونني الذاكرة بالنسبة للاسم، ممثلاً للولايات المتحدة.
 
ومن كان سيقول بأن هذا نفسه هو ما فعله كندي لاحقاً.
 
صحافي: فيما بعد، في "التحالف من أجل التقدم".
 
فيدل كاسترو: وحتى إصلاح زراعي.
 
الإصلاح الزراعي الأول قمنا به نحن في أيار/مايو 1959. خاكوبو أربينز، وبسبب قيامه بإصلاح زراعي، أرسلوا له حملة عسكرية، وما حلّ لاحقاً هو 200 ألف قتيل، هو ما تبقى من ذلك؛ من بينهم 100 ألف مفقود، بدون مبالغة. وهذا استناداً إلى تقارير ودراسات أجراها أناس بالغو الجدية، قضى بعضهم بسبب كتابته عن هذه الأرقام المروّعة.
 
بلغت الديون عام 1985 نحو 300 ألف مليون. لقد خضنا نحن معركة ضد هذه الديون، لأننا كنّا نرى ما هو آتٍ. طالما تم تحقيق بعض الشيء دائماً، لأنهم فزعوا قليلاً واخترعوا صيغة ما، سندات "بريدي" (Brady)، إلى آخره، إلى آخره، ولكن سندات "بريدي" يجب العكوف على تسديدها اليوم.
 
تبلغ الديون اليوم 800 ألف مليون دولار. لم يعد البنك العالمي اليوم يقدم قروضاً طازجة، وإنما هو مكرّس لعمليات إنقاذ، وصندوق النقد الدولي يزداد صرامة يوماً بعد يوم ولا يرضى بشيء. وأول من يدفع الثمن، كلما حصل تقليص في الموازنة، هو المدارس والمستشفيات والرعاية الاجتماعية. إن هذا يخلق الكثير من الاستياء.
 
لقد عقدنا اجتماعات كثيرة مع معلمين. آلاف المعلمين والمربّين يذهبون إلى كوبا، ولا يخلو هدفهم من رؤية التجربة، وما يشكون منه هم هو انعدام الموازنة في بلدانهم: أنه ليس هناك موازنة لأقلام الرصاص، أو لهذا أو ذاك. والأطباء على ذات الحال، جميع القطاعات. من يتحمل العواقب دائماً هي الخدمات الاجتماعية أولاً.
 
بالإضافة لذلك، عندما انتصرت الثورة، عام 1959، وكنت أطرح حينها العشرين ألف مليوناً، إنما كان للعشرين ألف مليون قيمة أعلى بكثير؛ ربما ما يعادل طلب ثمانين ألف مليوناً اليوم، وهذا مع الحساب بتحفظ بالغ.
 
تبلغ الديون الحالية 800 ألف مليون على الأقل. الجزء الذي يُستخدم من الموازنة لتسديد الديون تتجاوز نسبته في بعض الأماكن الخمسين بالمائة. ليس هناك من بلد يستطيع تحمل ذلك.
 
ضمن هذه الظروف يصبح فرار رؤوس الأموال أمراً إجبارياً، لأنه إذا كان مع حضرتك مائة ألف دولار من الذهب فإنك تستطيع طمرها، حفظها؛ ولكن إذا كان هذا المبلغ لديك بالعملة الوطنية فإنك تصرفه بالدولار وترحل به. بما أن الصرف الحر موجود بشكل إلزامي، فإنه عبارة عن "افتح يا سمسم"، تكون الأبواب مفتوحة ويأخذ الناس بحمل الأموال، لأن هناك عملة هي مستقرة بشكل عام هي الدولار، نظراً لقوة اقتصاده، نظراً لامتيازات "بريتون وودز"، حيث التزموا كذلك بأن تكون العملة مدعومة بالذهب.
 
أثناء حرب فيتنام، التي كلفت 500 مليون بدون ضرائب، نشأت مشكلات كبيرة وقرر نيكسون من جانب واحد إلغاء الصفة التحويلية للدولار، مما أفسح المجال أمام حدوث مشكلة كبيرة عبر المضاربة النقدية، على نحو أصبح يتم القيام يومياً بعمليات مضاربة بقيمة ملايين الملايين من الدولارات في هذا النشاط. لم يعد هناك اليوم عملة آمنة.
 
بريطانيا، التي كانت ملكة التمويل، كان لديها الجنيه الإسترليني وقد تم خفضه لها في عملية مضاربة.
 
صحافي: سيادة الرئيس، نظراً لكل هذا الذي تصفه حضرتك، وهي الظروف المناوئة، لماذا تعتقد بأنها لحظة جيدة بالنسبة لأمريكا اللاتينية؟
 
فيدل كاسترو: بسبب هذا الاحتجاج الذي تحدثتم عنه أنتم، والذي قلت أنا بأنه وقع في ظروف مختلفة وكان منعزل نسبياً، ويلاحَظ اليوم احتجاجاً شاملاً، يعم جميع بلدان أمريكا اللاتينية. لقد نشأ وضع أصفه أنا بأنه غير قابل للديمومة، وبالإضافة لذلك، لا يمكن تحمله. لقد وفّر الظروف الموضوعية التي تفسّر جملة من الأحداث السياسية. تستطيع حضرتك ملاحظته أينما كان.
 
صحافي: والآن، سيادة الرئيس، هل تظن حضرتك بأن ظروف التمرد وفراغ الصبر هذه، كما تقولون، يمكن تعززها مع الوقت، أو أن أمريكا اللاتينية –ولدينا أمثلة، كولومبيا- تتعرض لخطر ديمقراطيات أقل ديمقراطية، أو ديمقراطيات تحت الوصاية، أو منعطفات تسلطية؟ ألا تواجه أمريكا اللاتينية هذا الخطر؟
 
فيدل كاسترو: إن هذا السؤال هو سؤال معقد. ولكنني أعتقد بأن العنف لا يبدو بأنه الملاذ المحتّم. لقد تبدل كل شيء وكثيراً، هناك ظواهر جديدة على الإطلاق.
 
في كولومبيا بالتحديد توجد مشكلة عنف قديمة. هناك ظاهرتين أو ثلاث جديدة في القارة، إحداها: لا يخطر على أي عسكري بكامل قواه العقلية أن يقوم اليوم بانقلاب تقليدي من أجل حل المشكلات. إنها الصيغة التي لجأت إليها الإمبريالية دائماً. هناك تغير أيضاً في الوعي. يعرف العسكريون بأن هناك وضعاً اجتماعياً ذا قدرة هائلة على الانفجار. أنا لم أذكر بأنه في تلك المرحلة التي تم فيها طلب العشرين ألف مليون في بوينوس أيريس كحاجة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية كان عدد السكان دون المائتان وخمسين مليون نسمة؛ ويصل هذا العدد اليوم إلى 524 مليوناً، لقد نما بشكل هائل. الوظائف التي تنمو ليست الوظائف الشكلية؛ إنما تنمو بشكل أساسي الوظائف غير الشكلية، ليتدبر كل واحد أمر حياته كيفما استطاع. وهذا أمر معروف جداً.
 
هناك سيدة كانت تطالب السلطات التي رافقتني اليوم، عند مدخل متنزه جميل جداً، بمكان لها، وقد فعلت ذلك بألم، "لكي تبيع شيئاً".
 
عشرون بالمائة فقط من الوظائف الجديدة اليوم هي وظائف ذات صفة شكلية. الصناعة الحديثة بحد ذاتها، ذات التكنولوجيات الجديدة، بعيداً عن زيادة عدد العمال، إنما هي تقلّصه.
 
نحن في كوبا لدينا حالة مصنع كان يوجد فيه من قبل ثلاثمائة عامل ويوجد فيه اليوم خمسون من أجل إنتاج قماش ناموسيّات، على سبيل المثال، الذي نستخدمه لتغطية التبغ؛ ضعف الإنتاج بسدس عدد العمال. تذهب اليوم إلى محطة كهروحرارية ذات دورة مركّبة، تعمل بواسطة الغاز، وبدلاً من مئات العمال الذين يشتغلون بالفحم أو النفط في المحطات الكهروحرارية التقليدية، لا ترى العامل هناك، إنما ما تراه هو بعض المهندسين، 15 و 20 مهندساً يعملون في أماكن مكيفة يكبسون فيها الأزرار.
 
لقد عكفت على التفكير في أحيان كثيرة. لنفترض بأن "منطقة التجارة الحرة الخاصة بالأمريكتين" (ALCA) جلبت لأي بلد أمريكي لاتيني تطوراً صناعياً هائلاً. لنفترض بأنها جلبت له تطور ألمانيا. لا أحب ذكر أسماء بلدان، لأنك تعرض نفسك بذلك لخطر اتهامك بالتدخل، لدرجة أنه لا يمكن تقريباً تناول أي موضوع من الناحية العملية أو النظرية. ليس من مفر أمامي في هذه الحالة إلا أن أضع مثالاً:
 
لنفترض أن بلداً كبيراً وذا موارد، كالأرجنتين، وصل به الأمر ليحقق التطور الحالي الذي تتمتع به ألمانيا، لا يكون قد حلّ مشكلة البطالة التي كانت أحد مركبات الأزمة. فمع أنها البلد الأكثر تطوراً صناعياً في أوروبا، المأساة الألمانية تكمن في البطالة التي يعانيها 10 بالمائة من السكان النشيطين اقتصادياً. نحن في بلدنا على وشك تحقيق العمالة الكاملة. انطلاقاً من وجهة النظر القائلة بأن نمو العمالة سيكون في الخدمات، وصلنا إلى فكرة تحويل الدراسة إلى شكل من أشكال العمالة، والتي تتقدم بارتياح كبير بين المواطنين. هناك صيغ أخرى بالتأكيد، ليست بالضرورة صيغاً كوبية. أمام الحاجة، وجدنا أنفسنا مضطرين للابتكار.
 
حسناً، أنا مناهض "للمنطقة التجارة الحرة الخاصة بالأمريكتين"، وهذا هو أمر معروف. ولا بد للمرء أن يتمتع بوهم أشبه بالجنون لكي يعتقد بأن "منطقة التجارة الحرة الخاصة بالأمريكتين" ستجلب التصنيع لأمريكا اللاتينية وليس الدمار لها.
 
صحافي: سيادة الرئيس، حضرتك تقول بأن العنف لا يبدو بأنه الملاذ المحتّم.
 
فيدل كاسترو: أقول بأنني لا أرى العنف على أنه الشبح الكبير. أقصد العنف المسلح. إنني أرى الجماهير، وقد بدأت الجماهير بفعل أشياء لم تكن تفعلها من قبل.
 
أستطيع أن أذكر مثالاً: إيران، قبل سنوات من اليوم. كان شاه إيران شرطي الولايات المتحدة في المنطقة وكان البلد الأقوى، كان يتمتع بأحدث الأسلحة، وبالإضافة لذلك هو بلد غني جداً؛ غير أن الشعب الشيعي، بقيادة الخميني، بدون قطعة سلاح واحدة، بدون إطلاق عيار واحد، أطاح بالشاه الجبّار.
 
عندما حلّت الأزمة الاقتصادية في جنوب شرق آسيا، كان هناك سيّد آخر جبّار ذو جيش هائل وجيد التسلح، كان يدعى سوهارتو. كان يحظى بتسامح كبير تجاهه لأنه كان قد قتل مئات الآلاف من الأشخاص اليساريين. يعرف هذا كل العالم، بلغ عددهم 800 ألف، مليون، أو مليون و200 ألف، وبرمشة عين أطاحت به الجماهير.
 
لا أريد الذهاب بعيداً جداً، ولكنني لا أريد أيضاً أن أكون على مسافة بالغة القرب. ربما إذا ما فكرتم قليلاً، حدثت هناك تغيرات في هذا البلد نفسه، بدون أن تكون قد ارتكزت للعنف المسلح، ولم يعد الأمر يتعلق بإندونيسيا أو إيران. قفزات سياسية هامة بدون عنف مسلح، وأقول ذلك بأكبر احترام لهذا البلد؛ إنني أنظر إليه كمثال، هذا إذا لم يمنعوني من التفكير وخطر على بال أحد أن يتكدّر ويقول بأنني أقوم بالتدخل في الشؤون الداخلية؛ إنما أحلل ذلك بكل بساطة من وجهة نظر تاريخية ونظرية، من أجل الإجابة على السؤال.
 
وما حدث في الإكوادور أيضاً –لا حاجة للذهاب بعيداً جداً-، دخل السكان الهنود الحمر يوماً إلى القصر الرئاسي وحسموا أمر تغيير للحكومة، ولم يكن لدى الهنود الحمر قطعة سلاح واحدة، كما هو حال العسكريين الذين انضموا إليهم. من يظن بأن مشكلات هذه القارة يمكن حلها في الوضع الحالي عبر استخدام الأسلحة، إنما يكون منطقه يقوم على أسسٍ مضى عليها التاريخ.
 
صحافي: هل تتحدثون حضرتكم عن اليسار وعن اليمين؟
 
فيدل كاسترو: إنني أفكر بالجميع وأشمل الشرائح الوسطى حيال وضع لم يعد قابل للديمومة. تقوم الشرائح الوسطى بلعب دور هام جداً عندما تتوفر أوضاع محلية ودولية معينة. إن الشرائح الوسطى خطيرة بالنسبة للنظام الحالي المهيمِن، لأن لديها معارف.
 
لقد رأيت في كثير من الأحيان بأن أفقر الناس هم معتادين على المعاناة والخداع والاضطهاد؛ ولكن عندما تتم مصادرة أرصدة رجل من الشرائح الوسطى، تكون المشكلة بالغة الجدية. ليس عليّ أنا أن أحدثكم عن ذلك (ضحك). لا أريد أن أذكر أسماء، ولكن هناك ظواهر جديدة، وبالإضافة لذلك عالمية، ليست محلية فحسب. كما أن هناك أمور جديدة أخرى، هناك معارف جديدة. هناك جهل كبير من جهة، ولكن من الجامعات أيضاً خرج أناس كثيرون، إنه أكثر ما خرج، يتمتعون بمعارف. إن عدم التمتع بمعارف هو أمر مريع، هو أمر أساسي. نحن نرى ذلك في ثورتنا نفسها: مواطنونا اليوم هم مواطنون آخرون، لأن الأمر كان يتعلق في السابق ببلد أميين، ما نسبته 30 بالمائة، ولكن إذا ما جمعت الأميين الوظيفيين والأميين الكليين، تجد بأن نسبتهم كانت تبلغ 90 بالمائة؛ لأنه لم يكن في كوبا إلا 400 ألف شخص، من بين عدد سكان يبلغ نحو سبعة ملايين، قد وصلوا إلى الصف السادس، وأي صف سادس! أن تكون الجماهير جاهلة هو أمر مريع. والآن الجماهير، وبأعداد متزايدة، تتمتع بالوسائل اللازمة لتمكنها من الاطلاع. صحيح أنه ما يزال هناك 860 مليوناً من الأميين في العالم لأن الأمم المتحدة واليونيسكو والحكومات تريد ذلك، لأن القضاء على الأمية كان أمراً سهلاً وممكناً في الحقيقة.
 
صحافي: المعرفة هي شكل آخر من أشكال الاضطهاد.
 
فيدل كاسترو: إن المعرفة اليوم هي بشكل أساسي بأيدي الطبقات الوسطى، وهي التي نسميها في كوبا العمال الذهنيين، وثيقي الالتحام بالثورة، والذين يعون في بقية العالم على نحو أكبر يوماً بعد يوم بأن النظام القائم يسير بالعالم نحو الكارثة.
 
أمر آخر: إنترنيت. لقد ظهرت شبكة إنترنيت وقيمة كبار الشبكات أخذت تتضاءل. الوسائل الكبرى التي كانت محتكرة في السابق أخذ يتقلّص أثرها الاحتكاري، لأنه مع نشوء وانتشار إنترنيت، التي هي بأيدي أشخاص كثيرين من الطبقات المتوسطة، أصبحت إمكانيات نقل رسائل أخرى هائلة اليوم في الواقع.
 
ما حدث في سياتل، من الذي نظّمه؟ نظّمه أناس من الطبقات المتوسطة: كنديون، أمريكيون، أمريكيون لاتينيون، نظموا أنفسهم وخاضوا معركة مدهشة هناك. لم تكن عسكرية. ما بدا بأنه عسكري هو الحماية، الغازات، الأساليب القمعية المتبعة ضدهم. وفي كيبيك؟ حسناً، كان القادة السياسيون يغلقون الأبواب على أنفسهم في حصن، ولكن الغازات المسيلة للدموع وصلت إلى الداخل، تجاوزت الأسلاك العسكرية التي كانت تحميهم.
 
إذا كنتم تذكرون اجتماع دافوس الأخير وشاهدتم بعض الصور من الحرب العالمية الأولى تجدون بأن كلا خطي التحصينات يتشابهان: الخنادق تشبه خنادق حقلي معارك فردان ومارن، تم نقلها إلى سويسرا المسالمة. وانتقلت إلى نيويورك، وفي العام الماضي، بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، شعروا بأمان في نيويورك أكثر منه في سويسرا؛ ولكن ليس من شأنهم أن يكونوا على ثقة بأن يجدوا السلام في نيويورك أيضاً، لأن منظمي المظاهرات قد قاموا بها سواء في واشنطن ضد البنك العالمي، ضد صندوق النقد الدولي ، كما في جنوه ضد اجتماع الثمانية. لا بد وأنهم يوشكون –وأعتقد أن لهذا صلة بازدياد العدوانية الإمبريالية- على بناء مقر في المختبر الفضائي الخاص لكي تجتمع مجموعة الثمانية، أو التسعة، أو العديد الزعماء، لأن كندا شوهدت تنظّم اجتماعات في جبال شاهقة الارتفاع.
 
صحافي: صحيح.
 
فيدل كاسترو: سينتهون إلى جبل هملايا (ضحك). سوف يكون ذلك مكلفاً جداً!
 
وبالتالي فإن العالم آخذ بالوقوع في وضع لم يعد بوسع أسياد الكرة الأرضية ولا حتى أن يجتمعوا فيه. ولهذا أقول بأن الأزمة هي عالمية. ولهذا قلت من قبل بأنها ذات مواصفات أخرى.
 
أنظر إلى ما حدث في كوسوفو، أستطيع أن أؤكد لك أمراً أعرفه جيداً جداً. تم التخطيط للهجوم العسكري ليستغرق سبعة أيام، وانتهى في اليوم التاسع والسبعين، حين كان عليهم الدخول براً، وكان الجيش اليوغسلافي على حاله بالرغم من آلاف القنابل التي تم إلقاؤها. لديهم هم خبرة قديمة في الحرب غير النظامية، فقد واجهوا الهتلريين، قدموا خدمة هائلة للاتحاد السوفييتي؛ أخّروا الهجوم بضعة أسابيع أمكنها أن تكون حاسمة، وقاوموا. كان لدى النازيين ثلاثين أو أربعين فرقة ألمانية منهمكة في يوغسلافيا بينما كانوا بحاجة لها هناك في ستالينغراد أو لمواجهة الهجوم المضاد. لديهم كل هذه الخبرة متطورة ومحدّثة. وكيف تدبروا أمر ترك الجيش على حاله عملياً؟، كان على الهجوم أن يتم براً، وعبر البرّ يكون الحساب مختلفاً حين تكون هناك إرادة في خوض حرب بدون إصابات.
 
أذكر أننا كنا نقاتل ضد الجنوب أفارقة، أقصد نظام الأبارثيد. بالنسبة لهم، إذا مات السكان الأصليين، الذين كانوا يجندونهم في ناميبيا أو في أنغولا، ليس هناك من مشكلة؛ ولكن عندما كان يموت أبيض واحد، اثنان أو ثلاثة، كانت تحل الفوضى. أخذت تنشأ آنذاك عقلية خوض الحرب بلا إصابات، وهذا الأمر في حرب غير نظامية هو أمر بالغ الصعوبة.
 
صحافي: إذا سمحتم لي، أن نعود إلى بلداننا.
 
فيدل كاسترو: حسناً. أعذروني، ولكن بما أننا كنّا نتحدث عن هذا.
 
صحافي: لا، ما أردت قوله هو هذا.
 
فيدل كاسترو: أي، بما أنكم ذكرتم كولومبيا، إن كان سيحدث ذات الشيء.
 
لن يحدث في البرازيل كما في كولومبيا، الحركات اليوم هي حركات إضراب، حركات جماهيرية، تظاهرات. ولا يمكن أن يخطر على بال أحد اللجوء إلى العنف المسلح من أجل الاستيلاء على السلطة؛ عند العسكريين ما يكفي من الوعي. إنها مرحلة جديدة، ومن هو هذا الذي يريد أن يتلقى أزمة كهدية، فلا بد أن تزداد الإجراءات سوءاً يوماً بعد يوم من أجل المحافظة على الأمن. ومن المعروف أن ما هو أسوأ فيما يتعلق بالقمع قد وصل ولم يعد هذا ممكناً. لقد أصبحت هناك أشكال كثيرة يعلم بها الناس عن حقوق معينة؛ شبكة إنترنيت موجودة في كل مكان والإمكانيات التي يتمتعون بها لنقل رسالة هي أمر واقع. وأقول لك هذا بالنسبة لكوبا.
 
الإمكانيات التي نتمتع نحن بها اليوم لنقل رسائل، أفكار، حجج، لم تكن موجودة قبل عدة سنوات.
 
صحافي: أود أن أوجه لكم رسالة، لكي أجنبكم خطر الدخول في شؤون داخلية لبلد آخر.
 
فيدل كاسترو: في بلدي أنا.
 
صحافي: في الأول من كانون الثاني/يناير من العام القادم يكون قد مر 45 سنة على انتصار الثورة.
 
فيدل كاسترو: نعم، على ما بدا بأنه انتصار للثورة، ولكن الأمر احتاج لتنظيم كل ذلك.
 
صحافي: ولكنه أضحى انتصاراً للثورة.
 
فيدل كاسترو: الإطاحة بذلك النظام والشروع بالحكم من قبل أناس ينقصهم الكثير من الخبرة في ذلك.
 
صحافي: من كل الشرح الذي قدّمتموه حضرتكم عن الأفق الأمريكي اللاتيني الجديد، كيف تتصورون الانتقال في كوبا؟
 
فيدل كاسترو: أي انتقال تقصد، الانتقال الذي قمنا به أم انتقال جديد؟
 
صحافي: الانتقال الجديد.
 
فيدل كاسترو: وبأي اتجاه؟ قولوا لي بأي اتجاه؟ ابحثوا لي عن نموذج أفضل، وأنا أقسم لكم بأن من شأني أن أفعل كل ما يمكن فعله، من شأني أن أبداً من جديد للكفاح خمسين سنة أخرى من أجل النموذج الجديد (ضحك).
 
صحافي: كان هناك شخص هنا يقول…
 
صحافي: إن سمحتم لي بالتوضيح..
 
عندما يتعلق الأمر بشخصية تاريخية كحضرتك فإن الذين يفكرون بمرحلة لاحقة لهذه الشخصية التاريخية هم الآخرون.
 
نحن جئناكم بهذا: كيف تتصور مستقبل كوبا عندما لم يعد كاسترو على المسرح؟
 
فيدل كاسترو: إن هذا السؤال يطرحه كثيرون وأنا أيضاً أطرحه على نفسي.
 
صحافي: لهذا السبب.
 
فيدل كاسترو: نعم، ولكن الخطأ هو الاعتقاد بأن كاسترو هو كل شيء، لأنك تقول: كاسترو يفعل هذا… كاسترو يخطط. على سبيل المثال، يمكن أن أنسب لنفسي، وبخجل –لأنني لا أود الأخذ بإبراز أمورٍ شخصية ولا شيء من هذا القبيل-، فكرة كيفية حل مشكلة باتيستا عندما وقع انقلاب العاشر من آذار/مارس، ولم يكن لدينا سنتاً واحداً وكنا في مواجهة قوة هائلة؛ وبالإضافة لذلك، لم يكن أحد يعبأ لنا كثيراً، لأن الحكومة المخلوعة نعم كانت تتمتع بالكثير من الموارد وبدعم بعض ضباط الجيش. قررنا أنه يمكن حل المشكلة، بالرغم من كل شيء.
 
ليس هناك من فضيلة كبرى، حيث يوجد أيضاً الكثير من ضروب الحظ. لأنه بإمكان حضرتك أن تسألني: لماذا حضرتك موجود هنا؟ حسناً، أجيبك: بسبب من الحظ، بسبب من المصادفة، بين أمور أخرى.
 
والآن، حسناً، هناك بعض الأفكار. كيفية حل تلك المشكلة كانت أمراً بالغ الصعوبة، وكانت هناك أيضاً مخاطر شخصية كبيرة؛ ولكن أمكن حلّها.
 
ثم جاءت مشكلات أخرى لاحقاً، كمشكلة الحصار الاقتصادي على مدى ثلاثين سنة. ثم حلّت فيما بعد الفترة الخاصة، التي شكل حصاراً آخر ضمن الحصار الصارم الذي كنّا نعانيه، والذي تم تشديده. لم يكن هناك من أحد يراهن بسنتٍ واحد على بقاء الثورة في تلك الظروف.
 
إذا ما تمت معرفة معلومة فعلية وصادقة تمام المعرفة، يمكن أن توجّه لنا كل الانتقادات التي يراد توجيهها لنا؛ ولكن من شأنهم أن يدركوا حقاً بأنه لو كنّا نحن الناس الذين هم يصوّرونهم لما تمتعنا بدعم الشعب، والذي كان حاسماً، على مستويات يمكنني القول بأنه لم يسبق لها مثيل؛ وليس على أساس من التعصب، لأننا لسنا شوفينيين، لسنا أصوليين، بل أننا ربّينا مواطنينا على أساس مفهوم من التضامن الداخلي والخارجي. إذا كان خارجياً نسميه أممية.
 
مئات الآلاف من الكوبيين نفذوا مهمات أممية. أشرت إلى ذلك القتال ضد جنوب أفريقيا في أنغولا. يقع هذا البلد الأفريقي على مسافة من كوبا أكبر مما هي عليه المسافة من موسكو إلى هافانا، ما يحدث هو أن الطريق يمر بخط الاستواء، فإذا نظرت إلى الخريطة يبدو لك وكأنه قريب. تستغرق الرحلة 14 ساعة من هافانا إلى لواندا، على مسافة زمنية من الطيران تزيد بساعة واحدة عن الرحلة بين هافانا وموسكو.
 
لقد خضنا صراعاً قاسياً على مسافة أكثر من 14 ساعة، وكانت هناك بعض المعارك على الحدود مع ناميبيا، الأبعد مسافة بعد. إن كوبا هي بلد صغير، وأريدك أن تعرف بأننا فعلنا ذلك بمواردنا الخاصة. إنها بواخرنا التجارية، التي كنا نتمتع بها من ضمن أسطول تجاري؛ فلا تظنّن بأن باخرة سوفييتية حملت كتيبة واحدة إلى هناك.
 
أي أن مئات الآلاف، أكثر من نصف مليون من أبناء وطننا، نفذوا مهمة أممية بطريقة أو بأخرى، لأن عدد الأطباء بلغ عشرات الآلاف؛ وكذلك أيضاً عمال بناء ومعلّمون حيثما كانوا يستطيعون الذهاب. في نيكاراغوا تواجد ألفا معلم في الجبال؛ وقد قُتل بعضهم. كان قد تقدم ثلاثون ألفاً من أجل اختيار ألف منهم. اضطر الأمر لإرسال ألفين، وحين تعرض بعضهم للقتل، تقدم للذهاب مائة ألف.
 
إذا لم يكن الناس متشربون بفكرة، ففي بعضهم بدلاً من الأفكار ما يزرعونه عندهم هو تعصّب، مشاعر شوفينية، عنصرية، ما يشاؤون؛ يحافظ بلدنا على بقائه على أساس أفكار، وإلا لما كان بمقدورنا أن نقاتل في وجه هذا الوحش. فقد كان من شأنه أن يقضي علينا بوسائله الدعائية، وحصاره واستعراضه للثروات.
 
لن أقول المزيد عن ذلك: يمكن أن توجَّه لنا كل الانتقادات التي يراد توجيهها وإعطاء الرأي حول أي قضية؛ ولكن المسألة هي أن ما يُعرف عن كوبا هو معلومات تم تشويهها على مدى زمن طويل عبر تطبيق تقنية بكل معنى الكلمة غايتها تشويه الحقيقة وبيع الأكاذيب.
 
كنا من قبل نتلقى الضربات ولم تكن لدينا الذخائر التي نردّ بها؛ في الداخل تواصل الالتحام والدعم على أساس أفكار وحقائق ومبادئ، ولهذا تمكنا من تحقيق نتائج. ولهذا سألت: تغيير بأي اتجاه. هل باتجاه ما نراه حولنا، باتجاه ما نراه في العالم؟ لا أريد القيام بتعداد الأمور التي نتمتع بها، والتي يوجد لها أسباب خلقية عميقة وثقة بها. يعرفون بأنه لا تقال لهم أبداً كذبة واحدة، لأن هذا هو المبدأ المقدس؛ الناس في بلدنا يعرفون النظم والأسس.
 
هناك من يكتبون كتباً تؤكد بأنه يتم في كوبا التعذيب والقيام بألف عمل وعمل. بل وأننا نعرف من هم الذين يكتبونها وحتى الذين يوعزون بكتابتها.
 
غير أننا قلنا: "إننا نقدم كل شيء، كل القليل الذي لدينا، نقدّمه كلّه للذي يثبت وجود حالة تعذيب واحدة في كوبا".
 
من الكتب من هذا النوع يوجد الكثير جداً، ولكننا قاومنا. لقد أصبح عندنا درعاً للمقاومة.
 
صحافي: سيادة الرئيس، لقد أشرتم إلى الوضع الداخلي لبلدكم، وأشرتم إلى خلق المعارف، الحرية، من خلال الأفكار؛ ولكن، حسناً، وقع مؤخراً حادث كان له رد فعل دولي واسع، حول إعدام منشقين. كيف تفسّرون قراركم هذا؟
 
فيدل كاسترو: لقد اضطررنا لاتخاذ إجراءات هي قانونية ومن خلال محاكمات، وليس إعدام بدون محاكمات قضائية، وقد فعلنا ذلك بكثير من الألم. بل وأننا كنا نعرف الثمن، ولكن كان عليك أن تختار بين السماح بالمناورة التي يقومون بها من أجل خلق نزاع أو اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع ذلك، لأنه يوجد أناس هناك يريدون التسبب بنزاع بين الولايات المتحدة وكوبا، وأن يتم حل الخلاف مع كوبا بنفس الطريقة التي حصل بها في بغداد، وأن يسقط على كوبا عشرات الآلاف من القنابل والطائرات والصواريخ.
 
صحافي: أين كانت تتم حياكة هذا النزاع؟
 
فيدل كاسترو: هناك في الولايات المتحدة.
 
فيليبي بيريز روكي: قال هو الأنباء عن "إعدام منشقين" في كوبا.
 
فيدل كاسترو: آه! لم أتنبه لاستخدامه هذه الكلمة، شكراً جزيلاً، فيليبي. إن هذه هي واحدة من كبرى الالتباسات التي حدثت عالمياً: يتعلق الأمر بشيئين مختلفين تماماً: أولئك الذين بدأوا بمهاجمة طائرات وقوارب هم خارجين عامين عن القانون، ليس لهم صلة البتة بمشكلة ما يسمون "منشقين"، وأنا أضع قوسين كبيرين، لا أود أن أضيف أكثر من ذلك بكثير.
 
حسناً، عنصر آخر هام كنت أعكف على ذكره: هناك الاستفزاز المدبّر. أثناء استراحة للكونغرس، عيّنوا كنائب لوزير الخارجية لأمريكا اللاتينية سيّداً هو رجل كاوبوي حقيقي، له ماضيه. إنه من الشركاء الرئيسيين للمافيا الكوبية-الأمريكية المتطرفة، التي هي أيضاً، لسوء الحظ العالم أجمع، بما فيه نحن وأنتم، المسؤولة عن التزوير الانتخابي الكبير.
 
أنا لا أفهم كيف يمكن هناك، في الولايات المتحدة، الحديث عن الديمقراطية. يعرف كل العالم بدقة الأصوات التي انتزعوها من المرشح المنافس، وحيلة تغيير ترتيب المرشحين من أجل الاقتياد إلى الخطأ، والأفرو-أمريكيين الذين لم يصوتوا لأنهم بكل بساطة لم يدعوهم يتوجهون إلى صناديق الاقتراع، ليسرقوا بهذه الطريقة عشرات الآلاف من الأصوات التي سمحت لبوش الفوز بالانتخابات المزوّرة بفارق عدة مئات منها، إضافة إلى أن المواطنين الزنوج يعانون هناك قيوداً تبلغ درجة أنه يمكن أن يصل الأمر بغرامة ما، في بعض الأحيان، أن تكون سبباً في فقدانك للحق بالتصويت.
 
صحافي: لا تتدخل حضرتك في شؤون بلدان أخرى إلا واحداً.
 
فيدل كاسترو: آه، نعم، نعم.
 
صحافي: إنكم تتحدثون عنه.
 
فيدل كاسترو: لا، ليس عن بلد، إنما عن حكومة؛ إنني أكنّ احتراماً كبيراً للشعب الأمريكي، احتراماً صادقاً.
 
صحافي: هل تدعوني أكمل السؤال الذي كنت أوجهه لكم؟
 
فيدل كاسترو: نعم، أنا مستعد للإجابة على كل ما ترغبون حول هذا الموضوع.
 
كنت أقول بأنها اختلطت مواضيع مختلفة –حتى انه ربما يكون من الهام بالنسبة لكم أنتم أن تتابعوا التسلسل-؛ اختلطت مشكلة ما يسمون منشقين مع الواقع الغريب، الغريب جداً، أنه بعد مرور أكثر من عشر سنوات من دون أن تحدث عملية خطف واحدة لطائرة على متنها ركاب يتم أخذهم كرهائن، يقع هجوم باستخدام سكاكين في أعناق الطيارين، على غرار تلك العملية التي قاموا بها بالطائرات المطلقة ضد برجي نيويورك وضد البنتاغون. إذا ما كنت تلمس نزعة هائلة نحو الحرب من جانب قوة عظمى، ممثلٌ دبلوماسي بمهمة محددة هي التسبب بحوادث غايتها إفشال حركة داخل الولايات المتحدة، تزداد قوة يوماً بعد يوم، ضد الحصار وضد منع السفر إلى كوبا وتوفير الظروف الملائمة للقيام بعدوان مسلح، لا يبقى أمامك إلا أن تستأصل هذه الخطط من جذورها. كان رؤساء مكتب رعاية المصالح يتدخلون في مشكلات داخلية، ولكن هذا جاء بتعليمات تتعمد التسبب باستفزاز كبير.
 
صحافي: إننا بصدد الحديث عن مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة، أليس كذلك؟
 
فيدل كاسترو: الأخير، الذي وصل في أيلول/سبتمبر تقريباً، من العام الماضي 2002. إنه أمر لا يصدق. أنا أنتقد أناسنا أنفسهم لعدم الإبلاغ من قبل عن المستوى الذي بلغه هذا الرجل؛ كان يلف الجزيرة، بموجب الحاجة المزعومة لمراقبة وضع أولئك الذين يعيدونهم هم إلى كوبا بعد الإمساك بهم في البحر أثناء محاولتهم السفر بطريقة غير مشروعة إلى الولايات المتحدة، عملاً بما ينص عليه اتفاق الهجرة. تم الاتفاق على عدم اتخاذ أي إجراء انتقامي بحق الذي يعيدونهم هم إلى كوبا. وخلال سنوات من العمل بالاتفاق لم يسجّل انتهاك واحد. لا تعتقدن بأن الأمر كان بالغ السهولة في بعض الأحيان. كان بوسعك أن ترى جامعة في ما يشبه حالة تمرد، لأنهم لم يكونوا يرضون بعودة الموظف الفلاني إلى هناك. كان علينا في بعض الأحيان أن نبحث عن حل بديل، لأننا لن ندخل في حرب مع جامعة تقوم بالدفاع عن كرامتها. حسناً، كان علينا أن نبحث له عن عمل مكافئ. ولكن التنفيذ الدقيق قد حصل، رغم أن كثيرين من الذين يهاجرون بطريقة غير مشروعة هم أولئك الذين لا تمنحهم الولايات المتحدة التأشيرة؛ وليس من شأنها أن تمنحهم إياها أبداً نظراً لسوابقهم الجنائية. يتعلق الأمر، بشكل عام، بأشخاص ذوي سوابق جنائية عامة. لقد خلطت الدعاية الإمبريالية عن سوء قصد بين أمرين مختلفين كلياً.
 
اتُّخذ في الرابع عشر من آذار/مارس القرار باعتقال مجموعة من المرتزقة المأجورين لمكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة: من الذين يسمّون "منشقين". كان هذا الرجل – رئيس مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة في هافانا- قد داوم على لف الجزيرة بشكل منتظم، للتآمر. كان يتحدث عن برنامج جديد قوامه ستة آلاف ميل من التجوال، لتجنيد وتشكيل وتنظيم مجموعات معادية للثورة بشكل علني، مهرّباً معه حقائب مليئة بأجهزة الاستقبال الإذاعي واللوازم الضرورية لالتقاط محطتهم الإذاعية التحريضية، ونشطاً في إقامة ما تسمى المكتبات العامة المستقلة، حيث أُدرج كاتبان أو ثلاثة جيدين، وكل ما تبقى لم يكن إلا سمّ محض، من أسوأ انواع الأدب، أو من أسوأ أنواع الدعاية.
 
إنه أشبه بقولنا لسفارتنا: نظموا مكتبات عامة في الأرجنتين أو في البرازيل أو في أي مكان آخر. كان الرجل قد أصبح يريد التحرك كوالٍ قانوني. وأطلق بعض التصريحات العامة في لهجة تحدي لا يمكن القبول بها. أعتقد أنه أدلى بها في الرابع والعشرين من شباط/فبراير، في شقة في هافانا، حيث اجتمع مع مجموعة من المعادين للثورة؛ إنما هي كانت تصريحات قائد سياسي.
 
بعدما بلغني النبأ، تحدثت في الجمعية الوطنية في السادس من آذار/مارس وأجبت على هذا الشخص بألا يتوقع منّا أن نتسامح مع ذلك، وبأنه إذا أراد حمل مكتبه أو أراد إلغاء اتفاقات الهجرة فإن لا شيء من هذا يبعث عندنا الأرق. كان نقداً قاسياً.
 
وشرحت بأن عملية المراقبة ليست واردة في الاتفاق. إنما هو أمر يتعلق ببادرة مؤقتة من جانب كوبا. حتى هذه اللحظة لا شيء. الأعراف التي كانت موضوعة لهم ولنا فيما يتعلق بتحرك الموظفين الدبلوماسيين: لم يكونوا هم يطلبوا إذناً من أجل التحرك، وإنما كانوا يبلغون بذلك قبل ثلاثة أيام. أبلغناهم في مذكرة دبلوماسية: "لن يتواصل هذا العرف في الوقت الراهن، يجب طلب إذن قبل الموعد بثلاثة أيام، ولا يمكنهم أن يتنقلوا إلى خارج العاصمة إلا إذا تلقوا الإذن".
 
ماذا فعل؟ بما أنه لم يعد بوسعه الخروج من هافانا، قدّم المقر كمركز لاجتماع المرتزقة. تحولت منشأته آنذاك إلى مقر اجتماعات، مقر أركان وقيادة لما يسمون "منشقين"، بتزويد مكثف من المواد والخدمات المطعمية.
 
دققوا جيداً، تتوفر لدينا جميع الأدلة من كل نوع وصنف: الأموال التي يتلقونها، كيف يتلقونها؛ لأنه من بين هؤلاء "المنشقين" هناك أيضاً، كما هو طبيعي، العديد ممن هم ثوريين، كما يفترض، تمكنوا من كسب مستوى عالٍ من الثقة بينهم؛ حالة الإحباط بالنسبة للمتآمرين اليانكيين كانت مريعة. مع وجود جميع الأدلة بين أيدينا لم يكن هناك أي مجال للتفنيد. أود أن أضيف بأن تحركنا كان محدوداً. جميع المعتقلين هم متورطين في التآمر، ولكن ليس جميع المتورطين هم رهن الاعتقال.
 
أصدقاء كثيرون من "الشمال" قاموا بتوصيتنا: "لا تطردوا رئيس مكتب رعاية المصالح، إن هذا هو ما يتوخونه". ولا نحن كنا سنطرده أيضاً لأننا لم نطرد أبداً أي دبلوماسي من هذا المكتب على مدار هذه السنوات، كما يعلون هم عادة في الأمم المتحدة وفي واشنطن.
 
صحافي: سيادة الرئيس، ألا يجعل ذلك العبء يبدو عالياً من قبل الدولة الكوبية، إذا ما عاقبت الذين يشاركون، من الكوبيين أنفسهم، في الجهد التمردي، ولا تفعل شيئاً تجاه الذين يحرّضون، كما تقول حضرتك، وهو مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة؟ ألا يبدو جائراً بعض الشيء معاقبة ثلاثة كوبيين بالحكم بالإعدام ولا يتم حتى طرد…؟
 
فيدل كاسترو: أرى بأنني لم أتمكن من شرح الأمور جيداً وما يزال هناك التباساً. لم يتم الحكم على أي ممن يسمون منشقين بالإعدام، ولا بالسجن المؤبد، ولا بثلاثين سنة من السجن؛ إنها عقوبات، وحسب خطورة سلوكهم، تترواح بين 28 سنة وخمس سنوات. خيانة الوطن خدمةً لقوة أجنبية تشمل عقوبات أشدّ بكثير. دبلوماسيو مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة في كوبا كانوا يقدمون خدمات لحكومتهم، كانوا ينتهكون أعرافاً دبلوماسية، ولكنهم لم يخونوا بلدهم، ولا هم تحت وصايتنا القانونية. ليس هناك من مقارنة ممكنة.
 
الحكم بالإعدام الذي اتخذته المحاكم إنما له علاقة بأعمال خطف واتخاذ رهائن، عرّضوا لخطر الموت الوشيك عشرات الأشخاص الأبرياء الذين لا صلة لهم بالنزاع. عملهم الجنائي ذو الطابع العام له تحريض من جانب سلطات الولايات المتحدة، من أجل التسبب بنزاع. دوافعهم مختلفة، ولكن خطورتهم بالنسبة للبلاد كانت مسألة حياة أو موت، ولو كانت الخيانة عن وعي والمدفوعة من قبل حكومة الولايات المتحدة من الناحية الأخلاقية هي أشد خطورة.
 
صحافي: الذين استولوا على العبارة، الذين خطفوا العبّارة.
 
فيدل كاسترو: نعم، ولكنهم استولوا على العبارة في الأول من نيسان/أبريل. منذ التاسع عشر من آذار/مارس، صادف أنه في ذات اليوم الذي نشبت فيه الحرب تمت أول عملية خطف. فقبل ساعة واحدة، في حوالي الساعة الرابعة والنصف صباحاً، بتوقيت العراق، التاسعة والنصف بتوقيت كوبا –لأن هناك فارقاً من الوقت يبلغ سبع ساعات- تعرضت للخطف طائرة كوبية كانت تغطي رحلة من جزيرة خوبينتود إلى العاصمة، وعلى متنها 39 أو 40 مسافراً، آخر رحلة لذلك اليوم، على يد أشخاص وضعوا سكاكين حادّة في أعناق الطيارين.
 
صحافي: نعم، نعم، أعرف القصة.؟
 
فيدل كاسترو: حوّلوا مسار الطائرة إلى فلوريدا، وعندما وصلوا إلى هناك كان أن نشأت المشكلة. كانت تلك المرة المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ توقيع اتفاقات الهجرة: ألقوا القبض هناك على الأفراد ذوي السكاكين، ومنحوا المتواطئين معهم الإقامة. وبعد أربعة أيام قرر قاضٍ بأن للخاطفين مباشرةً الحق بالحرية المشروطة [السجن مع وقف التنفيذ]، وهم أشخاص فعلوا ذات ما فعله الأشخاص الذين تسببوا بالكارثة في نيويورك؛ حرية مشروطة. تصور إن كانت هذه مشكلة أم لا! لأن الأمر تعلق بأناس ذوي سوابق جنائية عامة؛ لقد سبق وشرحت بأن الناس الذين يغادرون بطريقة غير مشروعة بشكل عام إنما هم يفعلون ذلك لأنه ليس من شأنهم الحصول على تأشيرة أبداً من أجل الدخول إلى الولايات المتحدة بطريقة مشروعة. إنهم يقومون بالحماية وبالاختيار: تأشيرة إقامة، لا أعرف كيف عليه الحال مع الأرجنتين، ولكن من المؤكد بأن أحداً ذا سوابق جنائية عامة لا يمنحونه إياها.
 
كان هؤلاء أفراداً ذوي سوابق جنائية عامة؛ عندما وصلت الأنباء إلى كوبا عن إطلاق سراحهم بموجب كفالة مالية، تعرضت للخطف طائرة ثانية، قادمة من ذات المكان، في الحادي والثلاثين من آذار/مارس، من قبل أحد، يفترض بأنه كان يحمل قنبلة في يده في مؤخرة الطائرة، ويقول: "يجب حرف المسار". هبط الطيار بسرعة بطائرته وسط المدرج والخاطف يحمل القنبلة. حصلت مفاوضات.
 
كان هناك بعض من سلطات الولايات المتحدة يدرك بأن هذا جنون ولم يكن على اتفاق كبير؛ لأنها ظهرت جلية آنذاك وجهة النظر المتعارضة بين بعضٍ أرادوا الحد الأقصى من الاستفزاز وبين آخرين أكثر اعتدالاً. تمت مناقشة ذلك. مسؤولو وزارة الخارجية [الأمريكية] قالوا برباطة جأش كبيرة أنهم سيعاقبون الخاطفين، حتى أنهم طلبوا منّا بأن ننشر هذا الموقف. فعلنا كل هذا، وهم أنفسهم –البعض- لم يكونوا يريدون للطائرة أن تهبط في فلوريدا، كانوا يفضّلون ولاية قريبة أخرى. ماذا فعلنا حينها؟ تم التمكن من جعل الخاطف يسمح بنزول عدد من الأشخاص، وأضيفت المحروقات اللازمة من أجل ذهاب الطائرة إلى ولاية أخرى. ما فعلوه في الواقع هو جعلها تهبط في جزيرة "كايو ويسو" الصغيرة، والسلطات المختصة هناك هي التي تقرر إن كان سيتم إجراء تحقيق أم لا. أساؤوا معاملة المسافرين، أذلّوهم، صادروا الطائرة واحتجزوا جزءاً من الملاحين. نصيب المتواطئين مع عملية الخطف، إعفاء من العقاب.
 
توجد في فلوريدا ولاية شبه مستقلة؛ يتم القيام هناك بما يخطر على بال أعضاء المافيا وأصدقاء بوش؛ فهم يسيطرون سيطرة كاملة على الشرطة، السلطات، القضاة، المدعين. وكان هذا يشكل حافزاً كبيراً لخاطفي الطائرات وبواخر المسافرين.
 
اضطررنا للتحقيق في عشرات الحالات من محاولات الخطف. حققنا في أكثر من 35 حالة خلال بضعة أيام، قام بتنظيمها خارجون عن القانون عامّون. ولكن هناك أمر هام: موجة الهجمات وخطف الطائرات كانت أمراً غير مقبول لأسباب قوية –إذا أردتم لا أعددها الآن، فقد نوهت إلى بعضها. من عمليات الخطف الثلاث التي وقعت، توجهت إحداها إلى الولايات المتحدة مباشرة؛ الطائرة الثانية تم تزويدها بالمحروقات سعياً للأمن واستناداً لوعود أطلقتها السلطات الأمريكية، لم يتم تنفيذها على الإطلاق: أساؤوا من جديد معاملة المسافرين كما فعلوا في حال الطائرة الأولى واستولوا على الطائرة هناك؛ آخر العمليات كان قارب لنقل المسافرين يقدم خدمته في مياه داخلية من خليج هافانا، ويحمل عادة 100 شخص. في تلك اللحظة كان على متنه أربعون. اختطفوه أيضاً باستخدام أسلحة نارية وسلاح أبيض. عندما يكون أحد يقود قارباً في البحر، ويكون على متنه نساء وأطفال أحياناً كثيرة، ما يتم فعله عادة في بلدنا، في سبيل تفادي الحوادث، هو متابعته، وليس اعتراض سبيله.
 
لقد سبق ووقعت حالة الفوضى الوحيدة التي وقعت في كوبا على مدى أكثر من أربعين سنة، وكان ذلك في الخامس من آب/أغسطس 1994. لا أعرف إن كنتم تعرفون القصة، وكيف تم حل تلك المشكلة بدون جيش، بدون شرطة، بدون إطلاق عيار ناري واحد، بكل بساطة؛ لقد كانوا قد أخذوا بإلقاء الحجارة وكانت المسألة أنه تم خداعهم، حيث قالوا لهم من الإذاعة التحريضية بأن مجموعة من البواخر ستأتي لحملهم. آنذاك، احتشد أولئك العناصر على شاطئ البحر؛ وعندما لم تأتِ البواخر، أخذوا يلقون الحجارة وتسببوا بحالة من الفوضى. كان هذا في الخامس من آب/أغسطس 1994، في أصعب لحظات الفترة الخاصة.
 
قاد ذلك إلى ما سمّي هجرة واسعة غير شرعية، لأننا قلنا: "نحن لن نحمي سواحل الولايات المتحدة"، وبكل بساطة، إضراب؛ ما فعلناه هو إضراب. أولئك الناس الذين هاجروا يعرفون الثورة جيداً، لديهم ثقة عمياء بكلمتها. فإذا قيل: اسمعوا، أرسلوا بعض القوارب لحمل أقاربكم، وهو أكثر راحة من التعرض لخطر السفر في وسائل أخرى، لا يساورهم شك بإرسال القوارب. ولماذا يخاطرون بالسفر بدون تأشيرة؟ لأن هناك قانون يدعى "قانون الضبط الخاص بالكوبيين" يتم تطبيقه على بلد واحد وحيد في العالم، كوبا، القريبة جداً، ومن حق كل من يصل بطريقة غير مشروعة إلى هناك أن يدخل ويتلقى إقامة قانونية. لا يهم أياً كانت سوابقه الجنائية.
 
تصوروا لو أنهم يمنحون المكسيكيين قانون ضبط؛ نحن لا نطلبه لهم، لأننا نسميه قانوناً قاتلاً. ما نقوله نحن هو أنه بموجب "معاهدة التجارة الحرة" ألاّ يكون التبادل سلع وأموال فقط، وإنما أشخاص، كما في أوروبا، في كلا الاتجاهين.
 
هناك، في محاولة عبور الحدود مع الولايات المتحدة يموت نحو 500 مكسيكي سنوياً، وعن هذا الأمر لا يُحكى تقريباً. يُحكى بشكل مريع عن كوبا لأن عليها أن تطبق حكماً يستند إلى قوانين قائمة مسبقاً وإجراءات قضائية صارمة. مع أنني أتفهم، وأعطي الحق للأغلبية الساحقة من الذين يعارضون الحكم بالإعدام، لأنه يؤلمنا بشكل هائل. وإذا ما كان هنا تجميد في الواقع استغرق ثلاث سنوات وجدنا أنفسنا مجبرين على رفعه، فهو لأنه عبر ما فعلوه هم –وكان مقصوداً، كان عن سبق الإصرار، ونعرف ذلك- إنما حاولوا خلق ما يشبه موجة من الهجرة تنفع كذريعة، كخطر على أمن الولايات المتحدة من أجل الاعتداء على كوبا.
 
إن هذه الكلمة يستخدمونها لكل شيء. فإذا تماديتم أنتم في إنتاج اللحوم وهددتم بخفض سعر اللحم يمكن تصنيفكم على أنكم خطر على أمن الولايات المتحدة –أنبهكم-، وكذلك إذا بعتم الكثير من القمع بسعر رخيص.
 
بل وأن فكرة التسبب بهجرة واسعة قد تم التعبير عنها خطياً.
 
لا يمكنك أن تسمح بقيام موجة من أعمال الخطف. يكفي أن يقول شخص: "لدي قنبلة هنا في جيبي". خاطفو العبارة، وعلى متنها رجال ونساء وأطفال، اقتادوها حتى مسافة عشرين ميلاً، بأمواج قوتها أربعة، حتى نفذت المحروقات. لم يغرقوا بأعجوبة! قدمنا لهم النجدة هناك بقواربنا. جاؤوا إلى البر، ولكن دون أن يتخلوا عن موقفهم، ليطالبوا بمحروقات، وكان هناك أن تم القيام بكل المهمة الساعية لإطلاق سراح الرهائن، لم يكن ضرورياً استخدام العنف، ولكن هذا ليس بسبب تعاونهم، وإنما لأن المسافرين أنفسهم تمردوا بفضل مجموعة من الإجراءات النفسية التي اتخذتها السلطات الكوبية بالتنسيق مع الرهائن، فقد ألقوا بأنفسهم إلى الماء وتم إنقاذهم جميعاً.
 
لقد أصبحنا نحن نعرق القدرة الكامنة من المهاجرين. إذا قلنا: "فليذهب من يشاء، نحن في إضراب، أو تعالوا لحملهم"، ليس من شأن أي منهم أن يتردد في فعل ذلك. تسعون بالمائة من الذين يهاجرون ويستفيدون من قانون الضبط هذا هم مواطنين يأتون لأخذهم من فلوريدا في زوارق سريعة يرسلها ذووهم؛ ولكن يوجد بينهم أيضاً النوع الآخر من الناس القادم من الجناية العامة. جزء كبير من الذين يأتون لحمل الناس هو أيضاً من القطاع الذي لا يتلقى تأشيرات. بالإجمال، خمسون بالمائة من الذين يهاجرون بطريقة غير مشروعة بفضل بعض الأقارب ذوي الإمكانيات المعينة الذي يدفع حتى ثمانية آلاف دولار مقابل الشخص الواحد، يفعلون ذلك بواسطة زورق سريع يستوعب 12 شخصاً ويركّبون فيه 15، 20، 25، 30 شخصاً، وليس بقليل عدد حالات القوارب التي غرقت مما أدى إلى موت الكثير من الأشخاص.
 
هذه هي المشكلة. هكذا أوجزها. في الرابع عشر من آذار/مارس اتُّخذ القرار باعتقال مجموعة من المرتزقة؛ بدأت عمليات الاعتقال في الثامن عشر، وفي التاسع عشر وقعت عملية خطف أول طائرة على يد خارجين عامين عن القانون –وهو أمر لم يكن قد حدث، كما ذكرت، منذ عشر سنوات-، ومن يدري من هم أولئك الذين تم حفزهم لخطف تلك الطائرة، الذين تُمنح لهم البراءة. عندما علموا بأمر الإفلات من العقاب، شاع النبأ بين خارجين عامّين عن القانون، ويعتقد هؤلاء بأن المافيا الكوبية-الأمريكية هي صاحبة كل شيء، فتضاعفت مشاريع مهاجمة قوارب وطائرات. أولئك الذين اختطفوا قارب المسافرين في الأول من نيسان/أبريل قالوا: "لدينا أربعة أجانب وعدد كذا من الأطفال"، هدّدوا بالأخذ بإلقاء الرهائن في الماء إذا لم يزوّدوهم بقارب آخر أو بالمحروقات. هذه هي الخاصية. إذا تمت الموافقة على مثل هذه المطالب، فإن المشكلة لا تعود قابلة للحل.
 
في وضع كهذا لدينا مثال وسابقة: أولئك الذين كانوا يسرقون الطائرات الأمريكية كنا نحن نعاقبهم، ونعيد الطائرة المخطوفة إلىالولايات المتحدة، وذلك بعد العناية باهتمام بالمسافرين. ليس بقليل عدد الطائرات الأمريكية الكبيرة التي تم خطفها في الولايات المتحدة وتحويل مسارها إلى كوبا. لقد اخترعوا هم هذه الممارسة ضد كوبا، ولكن السحر انقلب لاحقاً على الساحر، هناك أشخاصاً كثيرين مختلين عقلياً في ذلك البلد. فحتى بزجاجة مياه كانوا يقولون: "إنني أحمل قنبلة مولوتوف" وعادة ما تكون لدى الطيارين تعليمات بتفادي أي خطر مهما كان صغيراً.
 
في بعض الأحيان قامت الشرطة هناك بإطلاق النار على العجلات وكان علينا نحن أن نملأ المدرج بالرغوة لكي تتمكن الطائرة المليئة بالمسافرين من الهبوط على العجلات المعدنية بدون مطاط.
 
في نهايات عام 1980 كان كارتر في الرئاسة. أصل المشكلة يعود إلى ما قبل ذلك الموعد، لأنه كانت قد اخترعتها حكومات سابقة ضد كوبا. كيف حلّيناها؟ أعدنا خاطفَين اثنين. كانت تُتخذ عقوبات بحقهم في السابق تصل حتى خمس سنوات من السجن. اضطررنا لرفع العقوبة مرة وأخرى، ولكن، بكل بساطة، لم تتوقف أعمال الخطف.
 
لجأنا آنذاك إلى الصيغة الأخرى: أعدنا لهم خاطفَين اثنين وحلّينا المشكلة نهائياً. ما كانت هناك حاجة لإعدام أحد لو أنهم يعيدون الخاطفين، كما أعدناهم نحن وحلينا لهم المشكلة على نحو لم يجعلها تتكرر خلال أكثر من عشرين سنة، بالرغم من المختلّين. كان واضحاً أن من واجب كوبا أن تستأصل مشكلة خطف طائراتها وقواربها للمسافرين من الجذور.
 
لم يشفع مجلس الدولة، والقانون يحكم على هذه الجرائم بالإعدام منذ زمن طويل. بل وأن بعض هذه القوانين لم يكن يتم تطبيقه. لماذا؟ لأنه لم يكن عندنا اهتماماً بذلك، لم يكن قائم وضع يهدد بخطر الحرب، وهو الوضع القائم الآن؛ خطر قيام موجة من أعمال خطف الطائرات والقوارب. لم يعد ينقصهم إلا أن يقوموا في أي يوم من الأيام بمهاجمة حافلة سياحية، ثلاثة أشخاص يحملون سكيناً ويقولون: "أقتل ثلاثة سائحين إذا لم تحملوني إلى المطار وتعطوني طائرة لكي أسافر فيها". هكذا هي الأمور وفق الواقع القائم. لمجلس الدولة صلاحية الشفع، ولكنه ليس ملزماً على فعل ذلك.
 
إذا كنت تعرف بأن هناك خطراً حقيقياً على أرواح أناس كثيرين، خطراً حقيقياً بنشوب نزاع، ما الذي يمكن فعله ما داموا هم يواصلون منح الخاطفين الإقامة، ما داموا لا يعيدونهم، وهو الأمر الذي يمكن به حل كل المشكلات. في حال القارب، عندما كان يتم تنبيههم إلى توجه مجموعة بطريقة غير مشروعة كانوا يرسلون خفر سواحل حتى مسافة قريبة من كوبا من أجل أخذها وإعادتها قبل أن تصل إلى سواحل الولايات المتحدة. أتعرفون ماذا فعلوا الآن؟ أرسلوا كالعادة بعض من خفر السواحل، وعند منتصف النهار أبلغوا بأنه لا، أن هذه القضية ليست شأنهم بموجب معاهدة دولية، وبأن البلد الذي يرفع القارب رايته هو الذي يتوجب عليه حلّ المشكلة في المياه الدولية. لم يشاؤوا جلب المشاكل لأنفسهم، من يدري لماذا، وقالوا: "تدبروا الأمر بأنفسكم".
 
اضطر الأمر لإصدار بيان لاحق والتأكيد على نحو قاطع: "لن تتلقى قطرة واحدة من المحروقات من أي نوع كان الطائرة التي تهبط أو المركب الذي يصل إلى مرفأ كوبي". يعلم الناس، وهم كذلك، بأنه حين يتم تأكيد ذلك، فإنه عليه هكذا.
 
قلنا أيضاً: "سيتم إحالة مرتكبي هذه الأعمال إلى المحاكم’ ومحاكمتهم على وجه السرعة، ولن يشفع مجلس الدولة لهم". إن المسافرين يتعرضون حتماً لمخاطر عبر أعمال إجرامية من هذا النوع. أنا سألت: "وفي حال انفجرت طائرة في الجو في هذه المغامرات غير المسؤولة، وعلى متنها جميع الركاب، على من تقع مسؤولية هؤلاء القتلى، علينا أم على الذين يتسببون بها انطلاقاً من الولايات المتحدة؟ لن يكون الذنب فقط ذنب الذين يحرضون على ارتكابها أو يرتكبونها، وإنما ذنب الذين أدانونا بلا رحمة لأننا اضطررنا لتطبيق إجراءات دفاعاً عن كوبا وعن أبنائها. وكم من شأن أي حرب مع الولايات المتحدة أن تكلّف كوبا؟ لا يقل عن الملايين، لأن كوبا هي بلد أصبح يتمتع بثقافة نضالية.
 
صحافي: دفاعية.
 
فيدل كاسترو: لديها العزم على فعل ذلك، والحرب هناك لا تنتهي في ثلاثة أيام، ولا في مائة يوم، ولا في مائة سنة، لأننا درسنا جميع الحروب التي خاضوها خلال السنوات الأربعين الأخيرة وتقنياتهم وتكتيكاتهم، ونعرف كيف ندافع عن أنفسنا. لا ينفع ما تقوله في شيء إذا لم تكن تتمتع بملايين الأشخاص، بملايين الأسلحة، وبالمعرفة الضرورية لكيفية الدفاع عن النفس.
 
إنها حرب نحن لا نريدها، نصر دموي لا نتمناه على الإطلاق؛ ولكننا بالطبع لن نسلّم البلاد أبداً.
 
إنني أكلمك هكذا، بكل ثقة. هناك التباس، رغم ما قلناه وما شرحناه. حضرتك تعرف بأنها تأتي فيما بعد البرقيات الصحفية وتصنع كاريكاتوراً مما يقال. لم يتم إعدام أي من المرتزقة الذين يسمّون "منشقين". بفضل فيليبي تنبهت إلى هذا التفصيل في السؤال. أشكره لتمكني من الشرح كما يجب. إنما أنا كنت سأشرح مجرد أسباب الاعتقال والعقوبات.
 
صحافي: سيادة الرئيس، لقد قُرئ هنا تواجدكم …
 
فيليبي بيريز روكي: يجب أن يكون هذا السؤال الأخير، لأن الساعة أصبحت 12:50.
 
فيدل كاسترو: حسناً، سنرى، سوف أكون أكثر إيجازاً، أكثر سرعة.
 
صحافي: سيادة الرئيس، لقد قُرئ هنا تواجدكم في بوينوس أيريس كرد جميل على الموقف الأرجنتيني بالامتناع عن التصويت حول كوبا في الأمم المتحدة، أهي قراءة صحيحة؟
 
فيدل كاسترو: بين أمور أخرى، نعم.
 
صحافي: والأمور الأخرى.
 
فيدل كاسترو: الأمور الأخرى تحدثنا عنها. ألاحظ حركة تبعث الاهتمام، ونحن لدينا العديد من الأصدقاء الذين أتوا إلى هنا، وهم أشخاص ذوو مكانة، فكانت هذه فرصتي لتحيتهم. ثانياً، لأننا نفرح كثيراً للأرجنتين على التطور الذي تسير به الأحداث. يسعدنا ذلك. لاحظنا ما ينطوي عليه من أهمية، ليس فقط بالنسبة للشعب الأرجنتيني –عبر إرساله أناساً كثيرين، ورسائـل كثيرة-، وإنما حتى بالنسبة للعملية بمجملها، سعياً لحلول في لحظات صعبة، لأنه من المعروف، ويمكن للمرء أن يجري إحصاء للصعوبات، التضامن مع الأرجنتين، مع الشعب ومع الإدارة الحالية، الحكومة الأرجنتينية. نعم، كل هذا.
 
وقد فكرت بذلك جيداً جداً. فكرت، ما هو القلق الوحيد؟ كنا هناك بانتظار العشرين من أيار/مايو ومنهمكين في سلسلة من الإجراءات كرد محتمل على التهديدات، ولم أكن أعرف أنا إن كنا سنتواجد هناك لحشد مليوني شخص في تظاهرة احتجاجية أو أنني سأكون هنا، الأمر الذي جعلني بالانتظار حتى النهاية؛ كان علينا أن ننتظر العشرين من أيار/مايو، الذي قامت به الحكومة الأمريكية المافيا الإرهابية في ميامي بأمور غير معهودة: خداع، قاموا بإدخال طائرة من سلاح الجو، ووضعوها على مسافة ستة آلاف متر من أجل التشويش على تلفزيوننا وما يبثه من برامجنا التعليمية المتقدمة.
 
لحسن الحظ أنهم يخطئون باستمرار، لا يصيبون الهدف، إنهم أبطال أولمبيون بارتكاب الخطأ، الأمر الذي ليس بالسهل عندما يتعلق الأمر ببطل القوة والسلطة، سلطة أكبر من سلطة كل بقية العالم معاً، والقدرة على تدمير هذا العالم؛ لأن الأمر وصل بهم لا لقول هذا فقط، وإنما أن أي ركن مظلم من العالم يمكنه أن يتعرض للهجوم. لا أدري إن كان لديكم أي ركن مظلم هنا؛ فإذا ما كان لديكم، زوّدوه بالكهرباء، على الأقل (ضحك)، لكي لا تتحولوا إلى ضحايا.
 
صحافي: المعذرة على مقاطعتكم.
 
لقد تحدثت حضرتك عن الظروف الحالية، وكيف كانت عليه علاقتكم في العقد الماضي، مع الحكومة السابقة، مع منعم؟
 
فيدل كاسترو: أشرح لك على الفور، سآخذ من الوقت دقيقة أخرى، ولكن دعني أنهي ما كنت أقول.
 
وهناك أمر آخر هام جداً، إذا كان مجيئي سيلحق أي أذىً بالحكومة، لأنني رجل أصبح يعرف، ولسوء الحظ، بأنه عندما أصل يستقبلوني في بعض الأحيان بشيء من الجلبة. حسناً، هكذا استقبلوني في المكسيك عندما جرت مراسم تولي المنصب الرئاسي، لم يكن يوجد خطر هنا بأن ينهار مبنى بأكمله صنع من الزجاج؛ لأن الصحافيين، المصوّرين والمصورين التلفزيونيين يشكلون كتيبة، وليس هناك من يستطيع ردعهم. ذهبت اليوم لوضع إكليل من الزهور أمام نصبي سان مارتين ومارتيه، وعندما نظرت إلى نفسي في المرآة، رأيت خدشاً هنا؛ انتهيت بإصابة طفيفة. وحتى رئيس الجمهورية، الذي كانت تحرسه الخيول، أصيب بضربة من أحد المصورين، ولكن لا تتهموا أحداً (ضحك). يوم توليه للمنصب تسببوا له بجرح.
 
تمكنت من الانتباه إلى أنه لن يكون محل بغض أن أقبل الدعوة، وهكذا فإنني حتى آخر لحظة لم أكن متأكداً من المجيء. توصلت إلى القناعة بأنني لن أتسبب بأي أذى، لأنه ليس من واجبك الذهاب لمجرد أنك دعيت؛ ففي بعض الأحيان يوجهون دعوات، ولكنهم يذكرون اسماً: فليأتٍ فلاناً. وفي هذه الدعوة لم يذكر أحد أي اسم أو شيء من هذا القبيل، ونحن لدينا أصدقاء كثيرون. على العكس، كان هناك ارتياح في النهاية عندما قيل بأن هناك إمكانية لحضوري.
 
كما أن السفر بالنسبة لي ليس بالأمر بالغ السهولة. فأنا أسافر في طائرة آي أل-62 (IL-62) قديمة. لقد تحدثتم عن أليندي. وأول مرة استخدمتها فيها كانت عام 1971 تقريباً، عندما زرت شيلي. وهي الطائرة التي استخدمتها طوال حياتي، وقد لفيت فيها مرتين حول العالم؛ تُحدث ضجة، وبالإضافة لذلك عندما وصلت يوم أمس كان هناك بعض الغيوم الوطيئة، كثيفة، ورأيت، بأنها تطير تحت الغيوم، ولم أكن أعرف إن كانت ستهبط على المدرج أم في متنزه في ذلك المكان. المسألة هي أنه كلما انطلقت، تصل.
 
أسعدني جداً أنني قدمت، لأنني شاهدت شيئاً لا يمكن نقله عبر البرقيات الصحفية: الحالة المعنوية. رأيت الناس، بشكل عام، في كل مكان، في البرلمان، في حالة معنوية تعكس آمالاً، ارتياحاً، أملاً بإيجاد حل. هذا ما شاهدته، ومناخاً إيجابياً، مناخاً رائعاً. هذا ما أستطيع أن أقوله لك.
 
صحافي: ولكن العلاقة مع منعم استغرقت عشر سنوات، وحيث حضرتك نفسك علّقت على أمور تلفت الانتباه في المرحلة…
 
فيدل كاسترو: ولكن قبل كل شيء أود أن أوضح أنه في المقابلة التي أجراها معي بوناسّو، حين قلت "refresco" (مرطّب) قصدت القول "كازوزة"- خاصّاً بالذكر الشامبان الذي كان يهديني اياه منعم. لم أتحدث بشكل سيء جداً-؛ كان رائعاً؛ قلت عن الشامبان بأنه "refresco"، الذي تسمونه أنتم "كازوزة"، كان رائعاً. حسناً، كنا على علاقة بين بين، وأنتم تعرفونه جيداً. كان يدعوني إلى "ريوخا" (Rioja) كلما أتيت. صديق حميم! كنا نتحدث على ما يرام، حتى اللحظة التي كان يذهب فيها إلى المؤتمر الصحفي، فحين كان يصل إلى هناك ينزل بي: را را را (ضحك). ولكن لا يمكن أن تأخذ هذه الأمور محمل الجد، وكنّا نتابع الحديث بودية. إن نقيض فكره هو فكري، إنهما متناقضين؛ ولكن المجاملة تجبرك. ماذا سأفعل؟ لا يمكنني أن أعبس في وجهه.
 
لاحظ، يوم أمس بالذات كانت هناك مأدبة غداء لرؤساء الدول، وقد تواجدوا جميعاً –قال بعضهم ما يعلم الله كم من شيء عني-، ولكن بتهذيب، جميعهم كانوا جالسين هناك وأنا صامت، لأنهم كانوا يناقشون مشكلات تخصهم.
 
استطعت أن ألاحظ روحاً. أي روح؟ أشبه ما تكون بروح الوحدة فيما يتعلق بالمشكلات الاقتصادية. لم يسبق لي أن رأيت شيئاً مشابهاً في أي مكان كان، رغم أن وجهات النظر ليست متماثلة. في كوسكو كانزا يبحثون مواضيع أخرى؛ ولكنني لاحظت هناك، ولا أعتقد أنني أبوح بسر –لن أقول شيئاً بالتحديد-، ولكنني رأيت روحاً، روحاً نادرة وغريبة من التوافق، بمن فيهم عقيلاتهم، بشأن قضايا اقتصادية من أهمها (ضحك).
 
صحافي: برأيي أن من بين التوافقات يأتي الانتخاب والتعبير بأن الانتخاب هو الرأسمالية. أليس هذا بهزيمة للأفكار الاشتراكية بعد 45 سنة من الثورة؟
 
فيدل كاسترو: بأن الخيار الوحيد هو الرأسمالية؟
 
صحافي: هذا ما تقوله حكومات المنطقة، بمن فيها لولا، على سبيل المثال.
 
فيدل كاسترو: نعم، اسمح لي بالحديث، وسأتحدث ليس خوفاً من شيء. أنا أعتقد بأن كل بلد معيّن يحتاج لحلّه المعين. أنا أقول بأنه ما كان لكوبا أن تتمتع بما تتمتع به اليوم في ظل الرأسمالية، وخاصة ما هي آخذة بتحقيقه بوتيرة مدهشة خلال السنوات الأخيرة، لأن للتعلّم وللخبرة أيضاً قيمة هائلة.
 
لقد أغنى انهيار المعسكر الاشتراكي تجربتنا. كانت مصيبة، مأساة، لأن هذا الانهيار قدّمَنا جميعاً هدية للقوة العظمى المهيمنة. عندما كان هناك قوتين عظميين… كان يؤكد نجيريري بأنه عندما تتصارع الفيلة فإن الأعشاب هي التي تتحمل العواقب… نعم، ولكن، صدّقني، إن وجود فيلية بحدود معينة إلى حد ما أفضل من فيل واحد يكون صاحب المرعى وصاحب كل شيء، الآمر والناهي في الدوس والإهانة على مدى 24 ساعة؛ وهذا هو ما حدث، وقوته هائلة جداً. لقد كان علينا نحن أن نواجه هذه القوة، نتمتع بتدريب رائع.
 
عندما تم تشديد الحصار، وقامت "الفترة الخاصة في زمن السلام"، لم يكن يراهن أحد على الثورة الكوبية بسنتٍ واحد. بالإضافة لذلك، عندما شُدِّدت الإجراءات، أصبحت هذه الإجراءات أقسى عبر "قانون توريسيللي" و "قانون هيلمز-بيرتون"، لم يعودوا يجدون شيئاً يفعلونه، فقد كان علينا أن نجتاز كل الاختبارات. إننا شعب مجرّبين.
 
صحافي: سيادة الرئيس، لدي السؤال الأخير، وأعود به –ولا بد أن حضرتك تتذكر- إلى القمة الأيبيرية الأمريكية الأولى التي انعقدت في غوادالاخارا. أنا كنت هناك أغطي وقائع تلك القمة، وأتذكر خطابك المركزي، حتى يومنا هذا، وكأنني أسمعك الآن وأنت تقول عبارة لرؤساء آخرين…
 
فيدل كاسترو: هل تذكر بأنني أثنيت على إندارا، البنمي، رغم أنه جاء من ثكنة أمريكية؟ أدهشني أنه استخدم لهجة وطنية بشكل صريح وعلني.
 
صحافي: ولكن كانت هناك عبارة قلتها حضرتك لهم: "كان بإمكاننا أن نكون كل شيء، ونحن لسنا بشيء الآن". كانت تلك…
 
فيدل كاسترو: كنت أقصد القارة الأمريكية اللاتينية.
 
صحافي: نعم، طبعاً. ولهذا أقولها. هذا التكهن، أو هذا الحكم، بدا لي –ولهذا أذكره حتى يومنا هذا- حكماً نهائياً، قاطعاً. هل عدّلتم هذه النظرة؟
 
فيدل كاسترو: لا.
 
صحافي: لا؟
 
فيدل كاسترو: يبدو اليوم بأننا قد بدأنا نفعل شيئاً.
 
صحافي: آه، نعم، إنه هذا، إنه هذا.
 
فيدل كاسترو: كم مرّ على تحقيق الاستقلال، قبل حوالي 200 سنة، وماذا كنّا عليه؟ البريطانيون أسياد هنا في الجنوب، وأبناء الشمال يغزون المكسيك، انتزعوا منها أكثر من نصف أراضي أغنى مناطقها بالنفط وبكل شيء؛ وانتزعوا من بنما جزءاً من أراضيها. استولوا على بورتوريكو. لقد حكمونا بطريقة أو بأخرى، على نحو مباشر أو غير مباشر، أو عبر الإطاحة بحكومات. أي أنه لو أن بلدان هذه القارة قد اتحدت –وكان هناك أكثر من واحد دعا للوحدة؛ بوليفار كان من أكثر الذين تحدثوا عن ذلك-، لكنّا اليوم شيئاً في العالم، ولسنا أدنى من أحد. وفي كل المعاملة التي تلقيناها أيضاً هناك الكثير من العنصرية. أذكر أنه حين كنت ما أزال طالباً زرت الولايات المتحدة، وكانت بشرتي على درجة عالية من الاحمرار. استطعت أن ألاحظ كيف أنه يتم تمييز الناس لكونهم لاتينيين.
 
صحافي: صحيح؟
 
فيدل كاسترو: صحيح، نعم، لكونهم لاتينيين. والأقليات؟ إن ما يحدث هناك لهو معروف، لا حاجة للأخذ بتكراره.
 
أشعر بإعجاب صادق بالأمريكيين اللاتينيين، بموهبتهم، بشجاعتهم. لا تستغرب، في السلفادور نفسها، البلد الصغير جداً، شاهدنا –لأننا كنا على مسافة قصيرة- كيف كانوا يواجهون هناك قوى أكثر تفوقاً بكثير كان لديها سيلاً من المؤن العسكرية وطائرات الهيلوكبتر، وكل شيء.
 
لا ينبغي وجود حروب. من واجبنا أن نناضل، بل والبحث عن حلول سلمية في أي مكان كان؛ وكذلك في كولومبيا. لا ينبغي قيام حرب، لأنه عبر الحرب، في هذه اللحظة من تاريخ القارة الأمريكية، لا يمكن حل أي مشكلة.
 
أعتقد بأن الخطأ الأكبر الذي ارتكبته الولايات المتحدة، وها هو الخطاب الذي ألقيته في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر نفسه منبهاً إلى هذا الخطر، هو استخدامها الحرب سبيلاً لحل مشكلة الإرهاب.
 
رأيت بأنه يجب توحيد كل الرأي العالمي، يجب توحيد كل الأحزاب، وكل تيارات الرأي، كل الكنائس، في هذا الصراع ضد مثل هذه الأساليب. لا أظن بأنه يوجد أي كنيسة تؤيد الإرهاب، كما أراه أنا، وهي تلك الأعمال التي تكلف أرواح أشخاص لا صلة لهم بالنزاع. نحن لم نمارس أبداً في كفاحنا التحرري هذه الممارسات.
 
لسوء الحظ، بما أن هناك أطباع بالغة التنوع والاختلاف، وبلداناً متنوعة ومختلفة، وأشكال كفاحية ومشكلات مختلفة، فإن مهمة إيجاد أشكال سلمية عادلة ليس بالأمر السهل. بل وأن مشكلات كولومبيا اليوم ليست هي مشكلاتها قبل أربعين سنة. لقد تواجدت هناك قوى متمردة قبل وجودها في كوبا.
 
صحافي: قبل كوبا، نعم، نعم.
 
فيدل كاسترو: لقد كان مارولاندا متمرداً قبل أن تولد القوى الثورية في كوبا، وفي مرحلة انتصارنا كان على نحو كبير من الهدوء. الحقيقة أنه استفزوه في لحظة معينة. جمهورية ماركيتاليا، الشهيرة، شاهد على ذلك. عندما ذهب للاجتماع بالرئيس باسترانا، في منطقة سان فيسينتي دي كاغوان، بقي مقعد مارولاندا شاغراً، لأنه كان عديم الثقة بسبب الأمور التي حدثت له في أوقات سابقة. في مشروع الخطاب الذي قرأه شخص آخر، ترد القائمة كاملة لما يملكه في ذلك التجمع السكاني. لقد رأيت نسخة من الخطابات، فقد أُعلن ذلك، كل حمل، كل بقرة، كل دجاجة، كل بغل في جمهورية ماركيتاليا، والتي قاموا بغزوها له في لحظة سلام. وفي مناسبات أخرى، أثناء إجراء مفاوضات، وضعوا له معدات لتحديد مكان تواجده وقاموا بقصفه؛ لهذا يبلغ ما يبلغ انعدام الثقة عنده.
 
لا يمكن حل مشكلة كولومبيا إلا عبر السبل السلمية، وبرأيي أن يكون للجميع مساهمة في السلام. سلام حقيقي، لأن العديد من عمليات السلام هناك انتهت إلى المقبرة. الشيوعيون أنفسهم، الذين شاركوا في عدة عمليات انتخابية، فقدوا أكثر من ثلاثة آلاف رجل، إنما هو كان مذبح كوادر. ومنظمات أخرى حصل لها ذات الشيء. جميع هذه الأسبقيات عقدت الأمور كثيراً هناك، والآن جاء ليلتحق عنصر خارجي.
 
برأيي أنه، وبنفس الطريقة التي يفكر فيها الأمريكيون اللاتينيون بأنه لا بد من الوحدة في السعي لحلول للأزمات الاقتصادية الخطيرة، لا بد من الوحدة للسعي لحل مشكلة السلام ووحدة البلدان الأمريكية اللاتينية بدون أي تدخل من قبل الولايات المتحدة. فليس في صالح هذا الجزء من القارة أي تدخل، نظراً للدمار الذي من شأنه أن يلحقه هذا بشعوبنا وبثرواتها. أما ما هو غير ذلك فلن يؤدي إلى شيء ولن يقضي على العنف، على العكس من ذلك تماماً.
 
إن مواقفنا في ذلك هي واضحة جداً ومعروفة، كما هي واضحة جداً ومعروفة في قضايا مكافحة الإرهاب، المخدرات، تدمير البيئة، الأمية، الجوع والأمراض الخطيرة التي تضرب وتهلك العالم.
 
وفيما يتعلق بحروب الغزو، فإنه يمكن غزو أي بلد ولكن ليس أبداً حكمه بعد الغزو، لأنه لا يمكنك أن تحكم بلداً من داخل دبابة، ولا حتى احتلاله. هناك ألغاز ليست معروفة بعد، مثل ما الذي حدث للقيادة العراقية، إن قُتلت أو لم تُقتل. إنه اللغز. يبدو لي هذا أمراً غريباً، لأنني أعرف جيراننا في "الشمال"، وعندما لا يقولون كلمة واحدة عن شيء، فإنهم يضحون محل شبهة. لقد رأيت مشاهد من العراق لحشود جبارة، كحال جماهير كالمليون أو أكثر من الشيعة الذين لا يريدون صدّام ولكنهم لم يكونوا على خصام مع وطنهم العراق، والمسلمين السنة، ذوي الثقافة والديانة المماثلة، أزداد قناعة بعدم نزاهة الخط الذي اتبعته حكومة الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر.
 
إن طريق مواجهة الإرهاب كان طريقاً سياسياً وليس عسكرياً. كان يتوجب خلق ثقافة ضد الإرهاب وليس محاولة استخدامه لتطبيق عقائد معدة مسبقاً لمهاجمة وغزو بلدان، وسحق النضالات العادلة من أجل التحرر الوطني والسيطرة على العالم على أساس الذعر والقوة.
 
رداً على سؤالك أتكلم بكثير من الواقعية واستناداً لتجربة كان لي امتياز اكتسابها على مدى سنوات كثيرة من النضال. لو كنّا في تلك المرحلة لكنت فعلت ما فعلت؛ لم ابدّل على الإطلاق أحلامي وآمالي. نعيش اليوم عصراً جديداً، والتكتيكات النضالية تعكف الشعوب نفسها وقادتها أنفسهم على تطويرها، بما يتلاءم مع ظروف كل بلد. من واجب أرفع الرجال مكانة أن يكونوا نموذجاً والنضال من أجل كرامة وصمود وسلامة الذين يكافحون من أجل حماية العالم وجعله أفضل. هناك تغيرات هائلة من النوع التكنولوجي وفي الاتصالات، لم توجد أبداً من قبل. وتوجد كذلك مشكلات في العالم ومخاطر أخطر بكثير من التي وُجدت أبداً.
 
عندما انتصرت الثورة الكوبية لم يكن أحد يذكر كلمة بيئة. نشأ هذا المصطلح على طول هذه السنين. لم يكن أحد يتكلم عن طبقة الأوزون، عن السخونة، عن التغيرات المناخية، التي أضحت مشكلات حيوية بالنسبة للبشرية جمعاء وهي توحد كل البشرية. لم يكن أحد يتحدث عن غزو ثقافي، والذي جاء من خلال احتكارات وسائل الإعلام الممتدة على طول وعرض الكرة الأرضية. هناك مشكلات كثيرة تبعث القلق عند البشرية والمثقفين وغير المثقفين، عند الذين يعملون بأيديهم والذين يعملون بأذهانهم. الفوارق تتقلص. يجب كوننة المعارف.
 
إن بلدنا آخذ بالتحول إلى بلد مثقفين، الذين أصبحوا مئات الآلاف. لقد أوصلنا التعليم الجامعي إلى كل بلديات البلاد، بل وبصيغ عن كيفية محاربة البطالة. فتيان تركوا الدراسة، بين 17 و30 من العمر، لدينا أكثر من 100 ألف، والذين ندفع لهم أجراً مقابل أن يدرسوا. سنرى، إنما أنت بهذه الطريقة تنتزع مادة أولية من السجون؛ لأننا نحن قمنا وما نزال بدراسة جوانب اجتماعية كثيرة، لم تخضع للدراسة اللازمة بعد.
 
حتى فيما يتعلق بالحكم بالإعدام، قلنا بأننا نطمح لإلغائه؛ ولكن ضمن الظروف التي نعيشها، نتحمل المسؤولية، بضمير مرتاح على الإطلاق، لأنه لا يوجد عند المرء فكرة عمّا يحدث في العالم، عمّا يفكر به آخرون، وعمّا يمكن أن تكلّف كوبا أي حرب، أكثر بكثير من أي بلد آخر؛ لأن الكلفة تكون أكبر بالقدر الذي يكون فيه قادراً على الدفاع عن نفسه، عندما يكون متوفر الوعي الكامل الضروري للدفاع عن النفس حتى الموت.
 
صدّقوني بأنه إذا لم أواصل الحديث معكم، فليس هذا لغياب الرغبة في الشرح، وإنما لأنكم تعرفون بأن لدي من يدري من الأشخاص ينتظرون هناك، وعليّ أن أرى الرئيس في الساعة الثالثة عصراً.
 
صحافي: إلى متى ستمكث هنا؟
 
فيدل كاسترو: حتى اليوم ما بعد الساعة 12:00. نعم، سيكون ذلك بعد الساعة 12:00، ما زال أمامي بعض الواجبات. لقد بعث عندي ارتياحاً كبيراً التمكن من التحدث معكم.
 
صحافي: الشرف لنا نحن.
 
فيدل كاسترو: لقد لاحظت جدية كبيرة في الأسئلة وفي المحادثة.
 
صحافي: شكراً جزيلاً.
 
فيدل كاسترو: تشرفت، يسعدني ذلك كثيراً.
 
صحافي: يقولون لي بأنهم يريدون التقاط صورة لك هناك…
 
فيدل كاسترو: حسناً.

Lugar: 

Buenos Aires, Argentina

Fecha: 

26/05/2003